علاقات وتعافي عندما نعتاد النعمة

 

كتبت /د. عواطف قطب 

في بداية أي علاقة، ننتبه إلى التفاصيل الصغيرة. نفرح برسالة من شخص نحبه، نقدر سؤاله عنا، ونشعر بالامتنان لوجوده إلى جوارنا في الأيام الصعبة. ومع الوقت، قد تتغير نظرتنا إلى هذه الأشياء من دون أن ننتبه.


ما كان يسعدنا يصبح معتادًا، وما كنا نراه اهتمامًا خاصًا نبدأ في اعتباره أمرًا طبيعيًا. نتعود على الشخص الذي يسأل عنا، وعلى من يتحمل مزاجنا، وعلى من يبادر بالصلح كلما حدث خلاف، حتى ننسى أن كل ذلك ليس أمرًا مفروضًا عليه.


المشكلة أن الاعتياد يجعل الأشياء الموجودة أمامنا أقل وضوحًا. لا لأن قيمتها تغيرت، وإنما لأننا لم نعد ننتبه إليها كما كنا في البداية.


وقد يحدث هذا مع الزوج أو الزوجة، مع الأب أو الأم، مع صديق قريب، أو حتى مع شخص وقف إلى جانبنا في وقت لم نجد فيه كثيرين حولنا. نعرف أنه موجود، فنؤجل كلمة الشكر، ونؤجل الاهتمام، ونفترض أنه سيفهم دائمًا وأنه سيبقى مهما طال إهمالنا.


لكن الناس يتعبون أيضًا.


الشخص الذي اعتاد أن يبادر قد يتوقف يومًا عن المبادرة. والذي كان يتحمل كثيرًا قد يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها الاحتمال أكثر. وغالبًا لا يحدث الرحيل في لحظة واحدة؛ تسبقه أشياء صغيرة لا ننتبه إليها، ومحاولات كثيرة قد لا نأخذها على محمل الجد.


ثم يأتي الغياب.


عندها فقط نلاحظ تفاصيل كنا نعيش بينها كل يوم. نفتقد السؤال الذي كنا نراه عاديًا، والمكالمة التي كنا نؤجل الرد عليها، والوجود الذي لم نفكر يومًا أنه يمكن أن يصبح بعيدًا.


وقد يكون مؤلمًا أن نكتشف قيمة شخص بعد أن يصبح الوصول إليه صعبًا.


لذلك، لا نحتاج إلى انتظار الغياب حتى نعرف قيمة من حولنا. يمكن أن نقول كلمة طيبة في وقتها، وأن نسأل عن شخص نعرف أنه يحتاج إلى السؤال، وأن نلاحظ ما يفعله من أجلنا بدل أن نعتبره جزءًا ثابتًا من حياتنا.


فالاهتمام لا يحتاج دائمًا إلى شيء كبير. أحيانًا تكفي كلمة في وقتها، أو تقدير بسيط، أو أن يشعر الشخص الذي أمامك أنك تراه ولا تأخذ وجوده كأمر مضمون.


ليس المطلوب أن نظل خائفين من فقد من نحب، وإنما أن نتذكر أن وجودهم في حياتنا ليس حقًا دائمًا.


بعض النعم لا نعرف حجمها إلا عندما نفتقدها، لكن يمكننا أن ننتبه إليها قبل ذلك.


وربما يكون أجمل ما نفعله لمن نحب أن نجعله يعرف قيمته وهو ما زال إلى جوارنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية