من مكة إلى نيويورك... هل يتشكل شرقٌ أوسط جديد؟ تحولات الأمن والدبلوماسية في عالم عربي وإسلامي متغيّر

كتب /د. عمر عبود صويجان

في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، لم تعد التحولات الكبرى تبدأ دائمًا من العواصم التقليدية للقوة، بل قد تبدأ من اتفاقية، أو اجتماع، أو تفاهم بين دول تبحث عن صيغ جديدة لحماية مصالحها وصناعة حضورها.


ولعل ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة يقدم نموذجًا يستحق التوقف عنده. فمن مكة، حيث وقعت السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس اتفاقًا للدفاع المشترك، إلى نيويورك، حيث اجتمعت دول عربية وإسلامية لبحث مستقبل غزة والقضية الفلسطينية، تبدو المنطقة وكأنها تعيد التفكير في مفهوم الأمن والشراكة ودورها في النظام الدولي.


الأمن لم يعد شأنًا منفردًا


اتفاق مكة لا ينبغي قراءته بمعزل عن البيئة الإقليمية التي ظهر فيها. فالتحولات الأمنية الأخيرة دفعت الدول الثلاث إلى الانتقال من الإعلان عن الاتفاق إلى العمل على بناء آلياته المؤسسية.


وفي تطور جديد، بحث وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان في نيويورك تقدم العمل على الاتفاق، فيما يجري التحضير لاجتماع لرؤساء أركان الدول الثلاث لبحث سبل دعم السعودية في إطار الاتفاق. وينص الاتفاق على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا. 


لكن الأهم من الاتفاق نفسه هو السؤال الذي يطرحه: هل تتجه دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر اعتمادًا على التعاون الإقليمي؟


لا توجد إجابة نهائية بعد، وربما يكون من المبكر وصف هذه التحركات بأنها ولادة لنظام أمني جديد. لكنها بالتأكيد تعكس اهتمامًا متزايدًا ببناء أدوات جديدة للتعامل مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد.


من الأمن إلى الدبلوماسية


وفي نيويورك، ظهر وجه آخر للتحرك الإقليمي.


فقد اجتمع وزراء خارجية السعودية ومصر وقطر والأردن والإمارات وتركيا وباكستان وإندونيسيا، وبحثوا تطورات غزة ووقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار ومستقبل المسار السياسي الفلسطيني. 


وهنا تظهر نقطة مهمة: القوة الإقليمية لا تُبنى بالسلاح وحده.


فالدبلوماسية، والاقتصاد، والمساعدات الإنسانية، والقدرة على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، كلها أصبحت عناصر من عناصر التأثير.


قد تختلف الدول في مصالحها ورؤاها، لكنها تستطيع أن تلتقي عندما تجد قضية أو مصلحة مشتركة.


هل نحن أمام شرق أوسط جديد؟


ربما يكون السؤال جذابًا، لكنه يحتاج إلى شيء من الحذر.


فالشرق الأوسط لم يتحول فجأة إلى منظومة جديدة، ولا يمكن اختزال تعقيدات المنطقة في اتفاق واحد أو اجتماع واحد. كما أن الدول المشاركة في هذه التحركات ليست متطابقة في سياساتها أو علاقاتها الدولية.


لكن ما يتغير هو طريقة إدارة المصالح.


فالدول أصبحت أكثر اهتمامًا بتنويع الشراكات، وتطوير قدراتها الذاتية، وبناء قنوات تعاون متعددة بدل الاعتماد على طرف واحد في الأمن أو الاقتصاد أو السياسة.


وهذا التحول قد يكون من أهم سمات المرحلة المقبلة: من الاعتماد على الترتيبات الجاهزة إلى محاولة بناء ترتيبات أكثر مرونة وتعددًا.


العرب والمسلمون... من رد الفعل إلى المبادرة


ربما لا تكمن أهمية هذه التطورات في معرفة من يقف مع من، بقدر ما تكمن في معرفة ما الذي تستطيع دول المنطقة أن تفعله بنفسها.


فالمنطقة تمتلك الموارد والموقع الجغرافي والأسواق والطاقة والطاقات البشرية، لكنها تحتاج إلى تحويل هذه الإمكانات إلى قدرة مستدامة على التأثير.


والتحدي الحقيقي ليس أن تتحد الدول في كل شيء، فهذا غير واقعي، وإنما أن تتعلم كيف تتعاون في الأشياء التي تستطيع الاتفاق عليها، مع احتفاظ كل دولة بقرارها ومصالحها.


وهنا يصبح التعاون العربي والإسلامي أكثر واقعية عندما يقوم على المصالح المشتركة، لا على الشعارات؛ وعلى الحوار، لا على الاستقطاب؛ وعلى تنويع الشراكات، لا على الارتهان لمحور واحد.


المستقبل لا يُنتظر


من مكة إلى نيويورك، لا نملك حتى الآن إجابة مكتملة عن شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.


لكننا نرى بوضوح أن المنطقة تتحرك، وأن دولًا عربية وإسلامية تبحث عن أدوات جديدة للأمن والتعاون والتأثير.


وربما تكون المسألة الأهم في المرحلة القادمة ليست: من يقود المنطقة؟


بل:


هل تستطيع المنطقة أن تمتلك من الأدوات ما يكفي لصناعة مستقبلها؟


فالعالم يتغير بسرعة، والقوى الكبرى تعيد ترتيب حساباتها، والدول الإقليمية تبحث عن مصالحها في مشهد شديد التعقيد.


وفي مثل هذا العالم، لا يكفي أن تكون المنطقة ذات أهمية في حسابات الآخرين.


الأهم أن تصبح قادرة على أن تكون شريكًا في صناعة تلك الحسابات.


ومن مكة إلى نيويورك، ربما تكون الرسالة الأوضح أن المنطقة لا تبحث فقط عن مكان في النظام الدولي...


بل بدأت تبحث عن طريقة لصناعة هذا المكان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية