حين تصبح البيانات عبئًا: هل نعرف أكثر ونقرر أقل؟
كتبت /د. الشيماء المشد
نعيش اليوم في عالم لم يعد يعاني من نقص المعلومات، بل ربما من وفرتها المفرطة. هاتف صغير في أيدينا يستطيع أن يخبرنا في دقائق بما كان يحتاج في الماضي إلى أيام من البحث، والمؤسسات تمتلك أنظمة قادرة على متابعة المبيعات والعملاء والموظفين والأسواق لحظة بلحظة، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات واستخراج أنماط وتوقعات كان من الصعب على الإنسان الوصول إليها بمفرده.
من المفترض، إذن، أن نكون قد أصبحنا أفضل في اتخاذ القرارات. لكن هل حدث ذلك فعلًا؟
المفارقة أن امتلاك المزيد من المعلومات لا يقود بالضرورة إلى قرار أفضل. ففي كثير من الأحيان، كلما اتسعت دائرة المعلومات ازدادت البدائل، وتعددت التفسيرات، وظهرت مؤشرات جديدة تدفعنا إلى مزيد من البحث والتحليل. وبدلًا من أن تساعدنا المعلومات على حسم القرار، قد تجعلنا أكثر ترددًا في اتخاذه.
وهذه ليست مشكلة المديرين وحدهم، بل تجربة نعيشها يوميًا دون أن ننتبه إليها. فكر مثلًا في شخص يريد شراء هاتف جديد. قبل سنوات، كان يقارن بين عدد محدود من الأجهزة ثم يختار أحدها. اليوم، يستطيع خلال دقائق الوصول إلى عشرات المواقع ومئات المراجعات ومقاطع المقارنة وآراء المستخدمين وتقييمات الخبراء. وبعد ساعات من البحث، قد يكتشف أنه أصبح أقل قدرة على الاختيار مما كان عليه عندما بدأ.
الأمر نفسه يحدث عند اختيار فندق، أو شراء سيارة، أو البحث عن مطعم، أو حتى مشاهدة فيلم. نطلب المزيد من المعلومات حتى نطمئن إلى أننا سنتخذ القرار الصحيح، ثم نكتشف أن كل معلومة جديدة تفتح أمامنا بابًا جديدًا للمقارنة. لقد انتقلنا، باختصار، من مشكلة «كيف نحصل على المعلومة؟» إلى مشكلة أكثر تعقيدًا: «ماذا نفعل بكل هذه المعلومات؟».
وفي عالم الأعمال تبدو المفارقة بصورة أكثر وضوحًا. فالمدير المعاصر يستطيع أن يفتح شاشة أمامه فيجد عشرات المؤشرات: المبيعات، والنمو، والحصة السوقية، ورضا العملاء، وتكلفة اكتساب العميل، وإنتاجية الموظفين، ومعدلات الغياب، والأرباح، والمخزون، والتوقعات المستقبلية. كل رقم منها قد يكون مهمًا، لكن هل كلها مهمة في اللحظة نفسها؟
هنا يكمن الفارق بين وفرة البيانات وجودة القرار. فالقرار الجيد لا يحتاج دائمًا إلى أكبر كمية ممكنة من المعلومات، وإنما إلى المعلومات الأكثر ارتباطًا بالمشكلة. وإذا لم تستطع المؤسسة التمييز بين ما هو مهم وما هو مجرد ضوضاء، فإن كثرة البيانات قد تتحول من أصل ثمين إلى عبء إداري.
وقد نصل عندها إلى ما يعرف بـ«شلل التحليل»؛ فنستمر في جمع البيانات، ومراجعة السيناريوهات، وانتظار تقرير آخر واجتماع آخر وتوقع أكثر دقة، بينما يظل القرار مؤجلًا. والأخطر أن التأخير نفسه قد يصبح قرارًا، ولكن دون أن نعترف بذلك. فالفرصة التي لم تُستغل في وقتها، والمشكلة التي تأخر التعامل معها، والسوق الذي سبقنا إليه المنافس، كلها تذكرنا بأن جودة القرار لا تُقاس فقط بمدى دقته، وإنما أيضًا بتوقيت اتخاذه.
وهناك إغراء آخر تصنعه التكنولوجيا الحديثة: ما دام الشيء قابلًا للقياس، فإننا نفترض أنه يستحق القياس. وهذا ليس صحيحًا دائمًا.
يمكن للمؤسسة أن تمتلك عشرات المؤشرات الدقيقة، لكنها تفشل في رؤية تغير بسيط في سلوك عملائها. ويمكن أن تظهر تقارير الأداء أن كل شيء يسير وفق الخطة، بينما يشعر الموظفون بالإرهاق أو يفكر أفضلهم في المغادرة. وقد ترتفع أرقام التفاعل مع حملة تسويقية بصورة مبهرة، دون أن تتحول تلك التفاعلات إلى مبيعات حقيقية.
فالأرقام تخبرنا ماذا حدث، لكنها لا تفسر دائمًا لماذا حدث، والأهم أنها لا تحدد بمفردها ماذا ينبغي أن نفعل بعد ذلك. ولهذا لا ينبغي أن تتحول الإدارة القائمة على البيانات إلى إدارة خاضعة للأرقام. فالخبرة، وفهم السياق، والحكم البشري، والقدرة على طرح السؤال الصحيح تظل عناصر أساسية لا يمكن اختزالها في لوحة مؤشرات مهما بلغت درجة تطورها.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى عالم الإدارة، تصبح المفارقة أكثر إثارة. فالذكاء الاصطناعي يقدم حلًا هائلًا لمشكلة وفرة البيانات، لأنه يستطيع تحليل ما يعجز الإنسان عن تحليله، واكتشاف العلاقات الخفية، والتنبؤ بالاتجاهات، وتقديم توصيات تساعد في الاختيار. لكن التكنولوجيا التي تساعدنا على مواجهة فيض المعلومات تستطيع أيضًا أن تضيف إليه.
فإذا قدم لنا النظام عشرات التوقعات والتنبيهات والسيناريوهات والتوصيات دون ترتيب واضح للأولويات، فنحن لم نحل المشكلة؛ بل استبدلنا فيض البيانات بفيض التحليلات. لذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية في المستقبل: ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يخبرنا به؟ بل: ما الذي نحتاج فعلًا إلى معرفته حتى نتخذ القرار؟ والفرق بين السؤالين كبير؛ فالأول يبدأ من قدرات التكنولوجيا، أما الثاني فيبدأ من المشكلة التي نريد حلها.
القيمة الحقيقية للبيانات لا تظهر عند جمعها، ولا حتى عند تحليلها، وإنما عندما تتحول إلى فهم يقود إلى تصرف مناسب. فهناك مسافة بين البيانات والفهم، ومسافة أخرى بين الفهم والقرار. قد نمتلك البيانات ولا نفهم معناها، وقد نفهم معناها ولا نعرف ماذا نفعل، وقد نعرف ما ينبغي فعله ثم نتردد حتى نفقد اللحظة المناسبة.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي. فربما لن يكون المدير الأفضل مستقبلًا هو الشخص الذي يحفظ أكبر عدد من الأرقام، أو يمتلك أكثر لوحات المعلومات تطورًا، وإنما من يستطيع أن يسأل: ما المشكلة التي أحاول حلها؟ وما المعلومات التي أحتاج إليها فعلًا؟ وما الذي يمكن تجاهله؟ ومتى أصبحت المعلومات المتاحة كافية لأقرر؟
إنها مهارة تبدو بسيطة، لكنها ستصبح أكثر أهمية كلما أصبحت البيانات أكثر وفرة والذكاء الاصطناعي أكثر قدرة. لقد أمضينا سنوات طويلة نتعلم كيف نجمع المزيد من البيانات، وربما حان الوقت لنتعلم مهارة أخرى لا تقل أهمية: متى نتوقف عن جمعها؟
فلا يوجد قرار مهم تُزال منه كل درجات عدم اليقين، وانتظار المعلومة الكاملة قد يعني أحيانًا انتظار شيء لن يأتي أبدًا. ولا يعني ذلك أن نتخذ قرارات عشوائية أو نتجاهل الأدلة، بل أن ندرك أن البيانات وسيلة لدعم الحكم البشري وليست بديلًا عنه، وأن القرار الرشيد لا يشترط معرفة كل شيء، وإنما معرفة ما يكفي في الوقت المناسب.
في عصر الندرة، كانت القوة لمن يمتلك المعلومة. أما في عصر الوفرة، فقد تصبح القوة لمن يستطيع أن يميز المعلومة المهمة من غير المهمة، والإشارة من الضوضاء، وما يحتاج إلى مزيد من التحليل مما يحتاج ببساطة إلى قرار.
لذلك، ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، أفرادًا ومؤسسات، ليس: هل لدينا بيانات كافية؟ بل سؤالًا أصعب بكثير: هل نعرف متى أصبحت البيانات كافية؟
ففي عالم يستطيع أن يخبرنا بكل شيء تقريبًا، قد تصبح الحكمة الحقيقية هي أن نعرف ما الذي يستحق أن نصغي إليه... وما الذي يجب أن نتجاهله.
د. الشيماء المشد، استاذ مشارك إدارة الأعمال - كليات الشرق العربي

تعليقات
إرسال تعليق