حين يصبح الدمج رسالة والهوية مسؤولية فاطمة القصاص من السياحة والإعلام إلى حماية التراث وتمكين الإنسان

 


كتبت /منى منصور السيد 

ليست بعض الرحلات المهنية خطوطًا مستقيمة تمضي من محطة إلى أخرى، بل خرائط واسعة تتقاطع فيها الطرق، وتبدو تفاصيلها في البداية متباعدة، قبل أن يكشف الزمن عن خيط خفي كان يصل بينها منذ البداية. هكذا تبدو رحلة الإعلامية والباحثة فاطمة القصاص؛ رحلة بدأت من السياحة والإرشاد السياحي باللغة اليابانية، ثم امتدت إلى الإعلام والعلاقات العامة والبحث العلمي والتراث والملكية الفكرية والعمل المجتمعي والدمج الثقافي والإتاحة، حتى أصبحت كل محطة فيها أداة تفتح بابًا لمحطة أخرى، وكل تجربة لبنة في مشروع أكبر عنوانه الإنسان والهوية.

تعرّف فاطمة القصاص نفسها بأنها باحثة في التراث والملكية الفكرية والدمج الثقافي المجتمعي، وتقول إن بدايتها جاءت بعد التخرج في كلية السياحة والفنادق، قسم الإرشاد السياحي باللغة اليابانية، ومنها انتقلت إلى الإعلام، ثم إلى البحث العلمي والعمل المجتمعي، في مزيج قد يبدو للوهلة الأولى غريبًا، لكنها ترى في حقيقته أن كل جزء منه يكمل الآخر. فمن بين الحجوزات وتنظيم الرحلات والعلاقات العامة، إلى الميكروفون في راديو القاهرة الكبرى، وقاعات البحث في المعهد القومي للملكية الفكرية بجامعة حلوان، وصولًا إلى المركز الإعلامي بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، مرت بتفاصيل أخرى في التسويق والعمل بشركات الدعاية والإعلان والتعاقد والعمل في شركة تجميل عالمية، حتى وصلت إلى مشروع «أنا موجود» لعلاج التوحد.

ولم تكن هذه المحطات بالنسبة إليها جزرًا منفصلة، بل أدوات تراكمت لتخدم ملفًا واحدًا ظل حاضرًا بقوة، هو ملف الأشخاص ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، وحرصها على تسهيل وصولهم إلى المعلومة. ومن هنا سخّرت تجربتها في التقديم الإذاعي لتسجيل النشرة الإخبارية بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة بصوتها، كما شاركت في مشروع الدمج والإتاحة بالمتحف القومي للحضارة، من خلال تسجيل بعض القطع بما يسهل على ذوي الإعاقة البصرية التعرف إليها. وبين كل هذه التفاصيل ظل الخيط الذي يربط التجربة كلها واضحًا في ذهنها: حماية الهوية المصرية، وتوثيق التراث، وتمكين الإنسان، وخاصة ذوي الإعاقة، من خلال الإتاحة والدمج المجتمعي والثقافة.

ومن السياحة بدأت حكاية أخرى. فقد علّمتها دراسة الإرشاد السياحي باللغة اليابانية أن مصر ليست مجرد مكان على الخريطة، وإنما قصة ينبغي أن تُروى للعالم. أما العمل في الحجوزات وتنظيم الرحلات فقد علّمها دقة التفاصيل واحترام الزائر، والإيمان بأن الجميع سفراء لبلدهم، بينما منحتها العلاقات العامة القدرة على صناعة صورة ذهنية إيجابية عن البلد، والتدخل لإزالة أي فكرة غير صحيحة والتصدي لها، وعدم السماح بالتجاوز، مع القدرة على التصرف في المواقف المختلفة بحكمة وسرعة استجابة.

وحين تولت مهمة نائب رئيس لجنة التنشيط السياحي بالنقابة العامة للسياحيين، اتسعت رؤيتها للتنشيط السياحي، فلم تعد تراه مجرد إعلان عن وجهة، بل حماية لما نبيعه للسائح أولًا. فالسائح، في رؤيتها، لا يشتري رحلة إلى بلد فحسب، وإنما يعيش تجربة؛ يتعرف إلى العادات والطعام والقصة، ويفهم التاريخ ويستمع إليه ويشاهد آثار الأجداد وعظمتهم. ومنذ مرحلة البكالوريوس، تشكل لديها وعي بأهمية التراث باعتباره منتجًا سياحيًا يجب صونه قبل الترويج له، ولذلك كانت كل خطوة لاحقة تبني على ما سبقها، حتى في مرحلة الدراسات العليا والأبحاث، حيث ظل هدفها استثمار ما تعلمته ودرسته في جمع التراث المصري وتوثيقه والحفاظ على الهوية المصرية.

أما الانتقال إلى الإعلام، فلم يكن بالنسبة إليها صدفة عابرة، بل حلمًا قديمًا. تقول إنها كانت ترى نفسها مذيعة راديو منذ وقت مبكر، وقدمت الإذاعة المدرسية في مراحل الدراسة المختلفة، وشاركت في تقديم الاحتفالات الثانوية في نهاية الدراسة، بل قدمت في إحدى السنوات كلمة ترحيبية باللغة اليابانية، وشاركت في المسرح. وحين جاء وقت العمل، وجدت أن السياحة تحتاج إلى من يحكي عنها وهو متخصص، لأنها صناعة قوية ورأس مال حقيقي للبلد، ولأن مصر تمتلك كل المقومات، بينما المشكلة، في رأيها، تكمن في عدم إجادة التسويق السياحي الجيد، رغم أن أدواته ليست صعبة، وإنما تحتاج إلى إتاحة الفرصة للمتخصصين لوضع رؤية إعلامية ترسم الخريطة السياحية.

وفي بداياتها كان التعاون مع بعض المحطات الإذاعية عبر الإنترنت، وكان ذلك أمرًا حديثًا آنذاك، وصولًا إلى عام 2011، حيث كتبت وقدمت تقارير ووضعت رؤى لبرامج، ثم قدمت برنامج «مصر جميلة» على راديو القاهرة الكبرى، وكان برنامجًا موجهًا لدعم وتنشيط السياحة والتوعية بأهمية التراث. وهناك تعلمت أن الصوت وحده قادر على أن يرسم صورة كاملة في خيال المستمع، وأن الميكروفون قد يصبح نافذة يرى من خلالها الإنسان مكانًا لم تطأه قدماه.

وبالتوازي مع ذلك، عملت في العلاقات العامة والإعلام (PR)، وفي تغطية وتنظيم المؤتمرات والاحتفالات حتى عام 2025، وهو ما صقل مهاراتها في إدارة الرسالة والتواصل مع الجمهور والمؤسسات. كما خاضت تجربة بودكاست «كن إنسانًا» للتصدي للتنمر، انطلاقًا من إيمانها بأن الإعلام ينبغي أن يعالج قضايا الإنسان قبل أن يروّج للأماكن.

ولم يتوقف القلم طوال هذه الرحلة. فمنذ الدراسة وحتى أثناء العمل في مجالات مختلفة، ظل حاضرًا من خلال مقالات الرأي والحوارات الصحفية والدوريات الثقافية والدبلوماسية والدمج الثقافي المجتمعي وغيرها من موضوعات المجتمع. فالكتابة بالنسبة إليها ذاكرة ثابتة تكمل الصوت العابر، وتحفظ ما قد يمر سريعًا عبر الميكروفون، وتمنح الفكرة فرصة أخرى للبقاء.

وفي تجربتها بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، وجدت نفسها أمام مساحة جديدة من المسؤولية. فقد عملت في المركز الإعلامي مسؤولةً للعلاقات العامة ووسائل التواصل الاجتماعي لفترة قصيرة، لكنها تصف أثر تلك الفترة بأنه كان كبيرًا، وكأنها ذهبت إلى هناك لتكتشف جانبًا جديدًا من العمل في ملف ذوي الإعاقة، يتجاوز الجانب الإعلامي. شاركت في تسجيل النشرة الإخبارية التي تقدم بلغة الإشارة، وأسهمت في وضع الاستراتيجية الإعلامية للمجلس، وخرجت من التجربة بقناعة واضحة مفادها أن الإعلام بلا إتاحة هو إعلام ناقص.

ثم جاء عملها مسؤولةً للتواصل الاستراتيجي بمشروع «أنا موجود» لعلاج التوحد بمنهج الهياجشي الياباني، ليؤكد لديها أن التجارب التي مرت بها لم تأتِ بلا سبب، وأنها يمكن أن تلتقي في مسار واحد يخدم قضية إنسانية ومجتمعية مهمة.

وتشرح فاطمة القصاص أن فكرة المنهج تقوم، ببساطة، على إمكانية توظيف التراث والثقافة والفن والطقوس اليومية كأدوات علاجية؛ فالطفل يمكن أن يتواصل مع العالم من خلال الطبلة، ومن خلال الحكاية، ومن خلال الطعام. وعندما تعرفت إلى تجربة الأم اليابانية مع ابنها ونجاحها، أدركت أنها أمام فكرة يمكن أن تقدم مدخلًا لمشكلة تؤثر في المجتمعات، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة بعض الحلول وطول أمدها.

لكنها، في الوقت نفسه، رأت أن المنهج، رغم بساطة تكلفته، برنامج أجنبي يحتاج إلى رؤية تتناسب مع المجتمع المصري والعربي، ومن هنا جاء العمل على «تمصير» الأدوات ووضع بدائل لطرق التنفيذ، مع استحضار منظور المصري القديم في علاج الحالات النفسية. وقدمت بحثًا في مؤتمر التراث العالمي بعنوان «دور التراث في تعزيز علاج التوحد – منهج الهياجشي الياباني نموذجًا»، في محاولة لطرح رؤية ترى أن الدمج لا يتم بعزل الإنسان عن ثقافته، وإنما بإدخاله في نسيج الثقافة العامة.

وترى القصاص أن هناك أساسًا مصريًا قديمًا لهذه الفكرة، مستندة إلى ما تراه من إشارات في برديات المصري القديم إلى علاج الحالات النفسية، وتطرح من خلال بحثها رؤية مفادها أن جانبًا من المعارف والعلوم التي عرفها العالم له جذور مصرية قديمة، وأن مصر كانت مصدرًا للمعرفة والعلوم.

ومن هنا جاء اهتمامها بالتراث والملكية الفكرية، الذي بدأ من سؤال يبدو بسيطًا لكنه فتح أمامها مجالًا واسعًا للبحث: كيف نحمي ما نروّج له؟ وهل يمكن حماية الأكلات المصرية؟ ومع تنامي استخدام الطعام كأداة من أدوات الترويج السياحي، وجدت أن المطبخ المصري نفسه يستحق أن يدخل دائرة التوثيق والحماية.

نشرت بحثًا عن «توثيق الأكلات المصرية» جرى ترشيحه لجائزة الدولة التشجيعية، انطلاقًا من قناعة بأن الأكل هوية، وأن الطبق المصري ليس مجرد وصفة، بل ذاكرة جماعية. كما تناولت في بحث آخر «قرصنة الغذاء والدواء التراثي» وآليات الملكية الفكرية في الحماية والتوثيق، في ظل ما تشير إليه من حالات تُنسب فيها منتجات تراثية إلى أسماء أخرى في الخارج.

وشاركت بوصفها مستشارةً فنية وباحثةً في مبادرة «طبلية مصر» لتوثيق الأكل المصري بالمتحف القومي للحضارة خلال الفترة من 2022 إلى 2026، كما شاركت في ورشة الملكية الفكرية وحماية وتوثيق الغذاء ضمن الموسم الرابع من المبادرة، لتلتقي بذلك خبرتها في السياحة مع البحث والتراث والملكية الفكرية في ملف واحد.

وعندما يُطرح عليها سؤال الحضور الإعلامي في الورش والمحاضرات والمؤتمرات والتكريمات، فإنها لا تنكر أهمية وجود الإعلامي، لكنها تضع أمامه مسؤولية أوسع؛ فالحضور الإعلامي مهم، لكنه في نظرها جزء من العمل، بينما تكون المسؤولية الأهم هي أن تخدم مشاركتها الهدف الأساسي والتخصص الذي اختارته. ولذلك ترى أن وجودها في المحافل العلمية والمؤتمرات كباحثة في التراث والملكية الفكرية ومتخصصة في الدمج الثقافي المجتمعي والإتاحة هو مسؤولية تقع على عاتقها.

وتشير إلى مشاركتها مؤخرًا في ندوة بمتحف الطفل للتوعية بحقوق طفل التوحد ودور التراث في العلاج واستعراض الأسبقية في هذه الرؤية العلاجية، كما شاركت في ندوة حول استرداد الآثار المنهوبة باتحاد الكتاب، وطرحت رؤية بشأن ضرورة وضع قانون للملكية الفكرية للمطالبة بجزء من دخل المتاحف في الخارج التي تعرض آثارًا مصرية مسروقة، إلى حين استردادها، انطلاقًا من تصورها لحق مصر في حماية تراثها وشخصيتها الثقافية. وهكذا تلتقي المسارات كلها عند نقطة واحدة: كيف نحمي أثرنا المادي وغير المادي بقوانين وأدوات عصرية.

أما التكريمات والدورات التي حصلت عليها، فلا تراها مجرد شهادات تعلق على الجدران، بل مسؤولية جديدة. ومن بين ما تعتز به تكريمها في مؤتمر قمة الاستثمار والاستدامة عام 2025 عن «دور المرأة في حفظ التراث»، وتكريمها من المتحف القومي للحضارة عن ورشة حماية الأكلات التقليدية والملكية الفكرية، وهو تكريم يلامس شغفها بتوثيق ما نأكله. كما تعتز بتكريمات المجلس الأعلى للثقافة ووزارة الثقافة والمجلس العربي للصحافة والإعلام والمعهد القومي للملكية الفكرية والمجلس القومي للمرأة.

لكن ثمة تكريمًا حديثًا تحتفظ له بمكانة خاصة؛ ذلك الذي حصلت عليه قبل نحو أسبوع في مؤتمر «الباحث الصغير» من داخل الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، بالتعاون مع مدارس بدر واليونسكو. لم تكن أهمية المشاركة بالنسبة إليها في التكريم وحده، وإنما في فرصة التعليق على أبحاث الأطفال ورؤية عقول صغيرة تقدم أبحاثًا وحلولًا لمعالجة أزمات برؤية بحثية، وكأن أصحابها خريجو جامعات. وتوجه شكرها للدكتورة هدى بشير، صاحبة فكرة المؤتمر، التي عملت على تنفيذها وتدريب الأطفال، وتسعى، كما تقول، إلى بناء عقول وعلماء الغد وأبناء مصر.

وفي العمل التطوعي والانتماء إلى المؤسسات الثقافية والجمعيات الدولية، تؤكد القصاص أن الهدف لم يكن يومًا مشاركة شكلية، وإنما أن يكون للعضو دور فعّال. وتذكر الجمعية اليابانية لدارسي اللغة اليابانية، وهي مؤسسة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، أسسها أساتذة وخريجو أوائل من درسوا اليابانية بكلية الآداب جامعة القاهرة، وتقول إنها تتشرف بوجودها بينهم، خصوصًا أنها تكاد تكون الوحيدة من خريجي السياحة والفنادق في هذا الإطار، وهو ما أتاح لها فرصة توظيف تخصصها في خدمة مؤسسة تراها تؤدي دورًا في الدبلوماسية الثقافية والتنموية، وتعزيز الترابط بين البلدين، وبناء جسور التواصل الإنساني والحضاري ودمج الخريجين والدارسين داخل المجتمع الياباني.

كما تعتز بمشاركتها في اللجنة الثقافية بالنادي الأهلي، وترى في النادي مؤسسة ومدرسة للعمل العام والمؤسسي الناجح. وكانت رغبتها أن تسهم في طرح مقترحات وأفكار للندوات ورؤى لخطط تدمج نشر ثقافة الملكية الفكرية للنشء والتأكيد على قضايا الهوية. فالثقافة، في رؤيتها، لا تعيش في المكتبات فقط؛ إنها تعيش في النادي والمدرسة والإذاعة وكل مساحة يلتقي فيها الإنسان بالإنسان.

وفي مسار آخر، جاءت الدورة الخاصة بالتخطيط الاستراتيجي والأمن القومي وإدارة الأزمات والمخاطر لتضيف إلى هذه الرحلة زاوية جديدة. فقد اعتبرت التجربة نقطة تحول في فهمها لعلاقة الثقافة والهوية بالأمن القومي، ورسخت لديها أن حماية التراث ليست رفاهية ثقافية، وإنما خط دفاع عن وعي المجتمع وهويته، وأن الإعلامي والباحث ومسؤول التواصل الاستراتيجي يمكن أن يكون شريكًا في معركة الوعي.

ومن خلال الدراسة، تقول إنها اكتسبت أدوات لتحليل الأزمات وإدارة المخاطر، وفهم كيفية تحول المعلومة والثقافة إلى قوة ناعمة، وكيف يمكن حماية عقول الأجيال الجديدة من محاولات طمس الهوية. ولذلك خرجت بإيمان أكبر بأن العمل في التوثيق والدمج والإتاحة ليس عملًا مجتمعيًا فقط، بل جزء من مسؤولية وطنية لحماية الدولة من الداخل.

وتتمنى أن تتاح دراسة هذه المجالات على نطاق أوسع، وأن تشمل مختلف الوظائف والأعمال، خصوصًا التدريس وملف التعليم، وأن تصل إلى الطلبة في مختلف المراحل، ولا سيما النشء، باعتبارهم جزءًا من مستقبل مصر. كما تؤكد أهمية رفع الوعي بحروب الجيل، وترى أن المعركة في عالم اليوم تستهدف العقول بقدر ما تستهدف الأرض، وتختم هذه الرؤية بدعاء صادق: حفظ الله بلادنا وأولادنا.

وبعد رحلة تتقاطع فيها السياحة والإعلام والتراث والملكية الفكرية والعمل الإنساني، يبدو الرابط بالنسبة إليها واضحًا: الإنسان والهوية. فالسياحة تبيع تجربة، والإعلام يحكيها، والتراث هو أصل التجربة والحكاية، والملكية الفكرية هي الدرع الذي يحميها، والدمج المجتمعي هو الضمان بأن هذه الهوية ملك للجميع بلا استثناء. فلا يمكن تنشيط السياحة من دون حماية الأثر، ولا يمكن الحديث عن التراث بينما يُستبعد جزء من أبناء المجتمع من الوصول إليه أو المشاركة فيه.

ولهذا تأتي رسالتها إلى الشباب مباشرة وواضحة: لا تخافوا من الجمع بين أكثر من مجال. فالتعلم والتدريب المستمر صنعا لها أدوات متعددة، وجعلاها قادرة على بناء مسار خاص بها. وتدعو الشباب إلى أن يكونوا فضوليين، وأن يبحثوا دائمًا عن نقطة الالتقاء بين شغفهم واحتياج وطنهم.

أما مشروعها القادم، فتتمثل ملامحه في استكمال توثيق المطبخ المصري كملف ملكية فكرية متكامل، والعمل على توفير آليات لحمايته وحماية التراث المصري كله، والحفاظ على الشخصية والهوية الوطنية، بالتوازي مع توسيع دائرة الدمج الثقافي لذوي الإعاقة داخل الفعاليات التراثية. وحلمها الأبعد أن يأتي يوم يستطيع فيه كل طفل مصري، بمن فيهم أطفال التوحد، أن يقول: «أنا موجود»، وأن يجد تراثه يحتضنه.

وربما هنا تكمن خلاصة التجربة كلها؛ ففي زمن تتشابه فيه المسارات وتتشابك فيه المهن، يصبح التميز الحقيقي في القدرة على صناعة معنى من هذا التشابك. لم تتعامل فاطمة القصاص مع الدمج والإتاحة باعتبارهما ملفًا جانبيًا، بل قضية مركزية، ولم تسمح للعقبات بأن تكون نهاية الطريق، وإنما حولتها إلى حافز للتعلم والبحث وابتكار أدوات جديدة للوصول.

أن تكون مسؤول تواصل استراتيجي، في تصورها، لا يعني أن تتحدث فقط عن قضايا الناس، بل أن تصمم الطريقة التي يصل بها صوت الجميع، بمن فيهم أولئك الذين لا يصلهم الصوت عادة، إلى قلب السياسة العامة والإعلام والمجتمع. ومن هنا يصبح الدمج أكثر من وظيفة، والإتاحة أكثر من إجراء، والتراث أكثر من أثر محفوظ خلف الزجاج؛ يصبح كل ذلك فعلًا إنسانيًا يحمي الذاكرة ويصون الهوية.

فحماية الهوية، في النهاية، لا تكتمل إلا إذا كانت متاحة للجميع، والتراث الحقيقي ليس هو الذي يروي لنا تاريخنا فحسب، وإنما الذي يحتضن اختلافنا أيضًا. وعندما يصبح الإنسان جزءًا من الحكاية لا مجرد متلقٍ لها، يصبح الدمج رسالة، وتصبح الإتاحة لغة، ويصبح التراث حيًا بقدر ما يستطيع الجميع أن يجدوا فيه مكانًا لهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية