الفضلات التي لا يغسلها الماء


كتب /د. العميري مجيد

تأمل معي للحظة...


من نعم الله العظيمة على الإنسان، أن جعل له مخارج يتخلص بها من فضلات جسده. كليتان تنقيان الدم ليل نهار، ورئتان تخرجان ثاني أكسيد الكربون، وجلد يطرد السموم عرقاً، وجهاز هضمي يلفظ ما لا ينفع الجسد.


لو احتبس واحد من هذه المخارج ليوم واحد، لتسمم الجسد، ولهلك الإنسان. إنها منظومة إلهية دقيقة للتنظيف المستمر. نعمة لا نشعر بها إلا إذا فقدناها.


لكن... ماذا عن الفضلات الأخرى؟


نعم، هناك فضلات لا تخرج من البطن والصدر، بل تخرج من اللسان والقلب.

فضلات معنوية، لكنها أشد سمّية من الفضلات المادية.


إنها الكلمات النابية، ألفاظ السب والشتم، السخرية والاستهزاء، التنمر الذي أصبح اليوم آفة العصر.


الجسد إذا احتفظ بفضلاته المادية تسمم، والمجتمع إذا احتفظ بفضلاته المعنوية تسمم أيضاً. 

والفرق خطير: فضلات الجسد تؤذي صاحبها فقط، أما فضلات اللسان فتؤذي صاحبها وتؤذي كل من حوله.


عندما تتنمر على شخص، تسخر من شكله، من فقره، من لكنته، من وزنه، من عيب خلقه الله به... أنت في الحقيقة لا تخرج رأياً، أنت تخرج سماً.


أنت تقوم بعملية إخراج لفضلات متراكمة في داخلك: نقص، حقد، فراغ، ضعف ثقة. فبدلاً من أن تنظف داخلك بالذكر والتربية والتهذيب، رميت قذارتك في وجه إنسان آخر.


تأمل قول الله تعالى: 

"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ"

وقابلها بـ "وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ"


الكلمة الخبيثة هي فضلة معنوية، شجرة خبيثة لا أصل لها، لا تنفع ولا تثمر، مكانها الوحيد أن تُجتث وترمى.


الفضلات المادية لها أماكن مخصصة للتخلص منها، نستتر عند إخراجها لأنها قبيحة.

فلماذا لا نستحي من إخراج الفضلات المعنوية أمام الناس على الملأ في التعليقات والمجالس والمدارس؟


يا من تتنمر: 

لو كان لرائحة كلماتك لون، هل كنت ستجرؤ على قولها؟

لو كان للتنمر صوت يقرع في قلبك كما يقرع ألم القولون، هل كنت ستستمر؟


نظف جسدك بالماء، ونظف لسانك بالصمت إذا لم تجد خيراً.

ونظف قلبك بالتوقف عن مقارنة نفسك بغيرك لتسخر منه.

الجسد النظيف نعمة من الله، واللسان النظيف نعمة أعظم.

فالأولى تحفظ لك صحتك، والثانية تحفظ لك إنسانيتك.


قبل أن تكتب تعليقاً ساخراً، قبل أن تضحك على زميل لك أمام الناس لتكسب ضحكة رخيصة... اسأل نفسك:

هل أنا الآن أتكلم... أم أتخلص من فضلاتي؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية