أمانة الكلمة.. المسؤولية الأخلاقية في عصر السيولة الفكرية
كتبت / د. ولاء عابد
في زمن يتسارع فيه تدفق المعلومات وتتضخم فيه منابر التعبير الافتراضي أصبحت الكلمة تطلق بلحظة خاطفة وتتعدى حدود القائل لتؤثر في وجدان مجتمعات بأكملها.
وفي وسط هذا الضجيج الرقمي والسيولة الفكرية المتزايدة تراجعت لدى الكثيرين الفكرة الأهم والركيزة الأساسية لكل بناء حضاري وإنساني ألا وهي "أمانة الكلمة" بوصفها التزاما اخلاقيا ومسؤولية وجودية لا تنفك عن استقامة الفرد ورفعة المؤسسات.
إن الكلمة في المنظور الفكري والأخلاقي ليست مجرد أصوات تتناثر أو رموز تخط على الشاشات بل هي طاقة تشكيلية تبني وتصنع الوعي أو تهدم وتغرس الزيف.
وفي الشرائع السماوية حملت الكلمة ثقلا استثنائيا يحدد مصير صاحبها ومقامه ففي القرآن الكريم يضرب الحق سبحانه وتعالى مثلا يتسامى بأثر الفكر الصادق: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم: 24).
وفي الهدي النبوي الشريف يأتي التحذير الحاسمي من التهاون بلحظات التعبير دون تبصر في قوله ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (رواه البخاري).
أما على الصعيد المؤسسي والإداري فتتجلى أمانة الكلمة في أعلى صورها عبر المصداقية والشفافية وحوكمة الخطاب.
إن المؤسسات التي تبنى على التضليل أو المبالغة الإعلامية أو إعطاء وعود براقة تخلو من الأثر الفعلي تمارس هدرا كبيرا لرأس المال الرمزي وتفقد ثقة بيئتها التنظيمية ومجتمعها.
فالقيادة الرشيدة هي التي تدرك أن الرأي المسؤول والنقد البناء والقول المنصف داخل بيئة العمل هي الأدوات الحقيقية لتحقيق التميز وصناعة الاستدامة بينما يصنع الخطاب الزائف بيئات هشة سرعان ما تتآكل عند أول اختبار حقيقي.
علاوة على ذلك فإن الوعي الإنساني والنضج الفكري يفترضان في الفرد أن يمارس تنقيبا قبل إطلاق الأحكام أو تداول الأفكار.
إن الجرأة على الصمت حين يغيب علم اليقين تعد في حد ذاتها فضيلة شجاعة بينما تمثل السطحية والمجاراة حيدانا عن جادة الحق وتخليا عن الأمانة الأخلاقية التي حملها الإنسان.
أن نلتزم بأمانة الكلمة يعني أن ننتصر للحقيقة وأن ندرك أن ما نكتبه ونقوله يشكل أثرا يتجاوز لحظتنا الراهنة ليبقى شاهدا علينا.
إن العقول الملهمة والنفوس الشريفة هي تلك التي تجعل من كلماتها جسورا للنور والوعي والبناء وتأبى أن تكون طرفا في إشاعة الزيف أو استرخاص القول.

تعليقات
إرسال تعليق