المحاكمة الجنائية عن بُعد .. بين إغراءت التكنولوجيا وسرية وخطورة المعلومات الجنائية ..
كتب / مينا المصري
مع بداية الاستعدادات لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في الأول من أكتوبر القادم، ومع كل ما يحمله من توسع مهم في إستخدامات التكنولوجيا ووسائل الإتصال الإلكترونية الحديثة في إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بعد .. أعتقد أننا أمام نقلة كبيرة وجديده في فلسفة التقاضي المصرية..
تعد المحاكمة الجنائية وبالأخص في الجنايات، ليست مجرد عملية تطبيق نص قانوني على مجموعة من الأوراق القضية الجنائية في كثير من الأحيان تقوم على الإقناع والاستنباط وقراءة التفاصيل وتكوين عقيدة المحكمة وأن القاضي لا يسمع فقط وإنما يرى المتهم ويسمع الشاهد ويراقب طريقة الإجابة وتردد المتحدث وأفعاله وإنفاعله، وصمته، وتناقضه،ويراقب جميع لغة الجسد ،ويتابع المواجهة المباشرة بين أطراف الدعوى الأخرين.
كما أن المحامي لا يقدم "معلومات قانونية" فقط.
بل يقدم المرافعة الجنائية والتي في جانب كبير منها هي بناء علي إقتناع قضائي.
ومن هنا أعتقد أن الشاشة، مهما بلغت جودتها، والتكنولوجيا مهما بلغ تقدمها لا يمكن أن تكون دائمًا بديلًا كاملًا عن قاعة المحكمة.
ياسادة نحن نتحدث عن إنسان قد تكون نتيجة المحاكمة بالنسبة إليه حياة أو موت أو سنوات من عمره، أو حريته، أو سمعته، أو مستقبله بالكامل.
وهنا تطرح الأسئلة نفسها .. هل البنية الإلكترونية والتكنولوجية والأمن السيبراني جاهزان فعلًا لهذا الحجم من المعلومات...؟
مع العلم بأن هذه المعلومات قد تحتوي على إعترافات، وتحقيقات، وصور، وفيديوهات، وتقارير طب شرعي، وبيانات شخصية، وأرقام هواتف، ومعلومات مالية وحسابات بنكية، وأسماء شهود، وبيانات مجني عليهم، وأحيانًا معلومات شديدة الحساسية والخطورة تمس أمن أشخاص أو مؤسسات.
فماذا لو حدث إختراق لها...؟
ماذا لو تم تسريب تسجيل جلسة منها...؟
ماذا لو وصل شخص غير مصرح له إلى ملف أى قضية...؟
ماذا لو تم العبث بملف إلكتروني أو تسجيل أو مستند أو ملف أى قضية...؟
ماذا لو حدث عطل تقني أثناء مناقشة شاهد أو استجواب متهم أو مرافعة في قضية مصيرية...؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها وتحتاج إلى إجابة لتحقيق جوهر العدالة الجنائية نفسها.
القانون الجديد وضع ضمانات مهمة، فنص على أن إجراءات المحاكمة عن بُعد يجب أن تضمن السرية والعلانية وشفوية المرافعة والمواجهة بين الخصوم، كما نظم تسجيل الإجراءات وحفظها، وألزم بإعداد القاعات وأجهزة الاتصال اللازمة.
ولكن النص القانوني شيء، والجاهزية العملية علي أرض الواقع شيء آخر.
وهنا توجد تساؤلات عديدة..
إذا كانت بعض منظومات الأستعلام الإلكتروني ورفع ومتابعة الدعاوى – وهي أبسط بكثير من منظومة محاكمة جنائية كاملة – لا تزال تواجه من وقت لآخر مشكلات تقنية وتعطلًا مستمر وصعوبات في الأستخدام، فهل إنتقلنا بالفعل إلى مرحلة أخرى يمكن معها أن نضع المحاكمة الجنائية نفسها بالكامل في بيئة رقمية دون إختبارات وضمانات استثنائية...؟
أؤيد أن يكون النظام عن بُعد أداة مساعدة، وأؤيد استخدامه في الإجراءات التي لا تتطلب الحضور المادي، وأؤيد استخدامه في حالات الضرورة، وأؤيد تطوير البنية الرقمية للمحاكم إلى أقصى مدى.
لكن في الجنايات، يجب أن نكون أكثر حرصاً وتحفظًا.
لأن هناك فارقًا كبيرًا بين رقمنة العدالة ورقمنة المحاكمة الجنائية.
الأولى ضرورة .. أما الثانية فتحتاج إلى دراسة واختبار وضمانات أقوى بكثير.
ومن وجهة نظري أقترح أن يكون هناك قبل التوسع الكامل في هذا المسار:
إختبارات إختراق وأمن سيبراني مستقلة ودورية، وبنية إحتياطية كاملة قوية، وتشفير متعدد المستويات، وسجلات دخول ومراقبة دقيقة، وآليات للتحقق متكاملة من هوية جميع المشاركين، ونظام واضح للتعامل مع الأعطال التقنية، وضمان حفظ التسجيلات والملفات وعدم إمكانية العبث بها، فضلًا عن تدريب القضاة وأعضاء النيابة والمحامين والعاملين على المنظومة.
والأهم من كل ذلك:
بأن يظل للمتهم في الجنايات حق حقيقي وفعال في طلب الحضور الشخصي متى كانت طبيعة الدعوى أو مقتضيات الدفاع تبرر ذلك.
فالتطور الحقيقي ليس أن نجعل كل شيء إلكترونيًا.
التطور الحقيقي هو أن نعرف متى تكون التكنولوجيا في خدمة العدالة، ومتى يمكن أن تتحول دون أن نقصد إلى عبء كبير على العدالة.
لذلك، قبل أن نسأل:
هل نستطيع أن نحاكم عن بُعد...؟
يجب أن نتسأل أولًا:
هل سيظل المتهم يحصل على المحاكمة ذاتها من حيث الضمانات، والفاعلية، والعدالة، إذا تمت المحاكمة عبر شاشة...؟
هذا هو السؤال الحقيقي...

تعليقات
إرسال تعليق