أقدر أن أسيطر على كل شيء في الحياة… ما عدا المشاعر


كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا 

نعيش في الحياة ونحن نحاول أن نُحكم قبضتنا على كل شيء؛ نخطط لأيامنا، نرتب خطواتنا، نختار من نقترب منهم ومن نبتعد عنهم، ونحاول أن نصنع من المستقبل صورة تشبه ما نتمناه. نتعلم كيف نتحكم في قراراتنا، في كلماتنا، في ردود أفعالنا، بل وربما في الظروف من حولنا. نُقنع أنفسنا بأن القوة تعني السيطرة، وأن الإنسان القادر على التحكم في حياته هو الإنسان الذي لا يسمح لشيء بأن يهزّه أو يربك حساباته.

لكن هناك شيئًا واحدًا يقف أمام كل محاولاتنا للسيطرة: المشاعر.

فالمشاعر لا تستأذن حين تأتي، ولا تنتظر أن نكون مستعدين لها. لا تخضع دائمًا للمنطق، ولا تتوقف لأننا قررنا أن نتوقف عن الشعور. قد تقول لعقلك: لا تتعلق، لكن قلبك قد يتعلق. وقد تقول لنفسك: لا تحزن، فتأتي الذكريات لتفتح في داخلك بابًا كنت تظنه مغلقًا. وقد تحاول أن تقنع نفسك بأن شخصًا ما لم يعد يعني لك شيئًا، ثم يكفي أن تسمع صوته أو ترى اسمه أمامك، حتى تكتشف أن بعض المشاعر لا تختفي لمجرد أننا أصدرنا أمرًا باختفائها.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة والمؤلمة في الوقت نفسه: نحن نستطيع أن نتحكم في الكثير من تفاصيل حياتنا، لكننا لا نستطيع دائمًا التحكم فيما يحدث داخلنا.

يمكننا أن نختار المكان الذي نذهب إليه، لكن ليس دائمًا الشخص الذي يشتاق إليه قلبنا. يمكننا أن نقرر الرحيل، لكن لا نستطيع أن نأمر مشاعرنا بأن ترحل معنا. يمكننا أن نغلق الأبواب، ونحذف الأرقام، ونبتعد عن الأماكن، ونشغل أنفسنا بمئات الأشياء، لكن بعض المشاعر تظل قادرة على الوصول إلينا من أبعد المسافات.

لأن المشاعر لا تعيش في المكان… إنها تعيش في الذاكرة.

حين يهزم القلب منطق العقل

كم مرة عرفنا الحقيقة بعقولنا، لكننا لم نستطع قبولها بقلوبنا؟ نعرف أن بعض العلاقات لا تصلح للاستمرار، ومع ذلك نتمنى لو تغيرت. نعرف أن شخصًا ما لا يناسبنا، ومع ذلك نشتاق إليه. نعرف أن الماضي انتهى، ومع ذلك نعود إليه في خيالنا كل ليلة. نعرف أن علينا أن ننسى، لكن القلب لا يفهم لغة الأوامر.

وهذا لا يعني أننا ضعفاء، بل يعني أننا بشر. فالإنسان ليس عقلًا فقط، إنه مجموعة هائلة من الذكريات والتجارب والاحتياجات والمخاوف والآمال والحنين. ولهذا قد يتخذ العقل قرارًا في لحظة، بينما تحتاج المشاعر إلى وقت طويل حتى تلحق به.

المشاعر لا تحتاج إلى من يقمعها… بل من يفهمها

ربما أخطأنا حين ظننا أن السيطرة على المشاعر تعني التخلص منها. الحقيقة أن النضج ليس في ألا نشعر، وإنما في أن نفهم ما نشعر به.

أن تقول: أنا حزين… وأعرف لماذا. أنا غاضب… لكنني لن أسمح لغضبي أن تؤذيني أو يؤذي غيري. أنا مشتاق… لكن اشتياقي لا يعني بالضرورة أن العودة هي القرار الصحيح. أنا أحب… لكن الحب وحده لا يكفي دائمًا لبناء علاقة ناجحة. أنا خائف… لكن خوفي لا يعني أن أتوقف عن الحياة.

هنا تبدأ القوة الحقيقية: أن تشعر بكل شيء، دون أن تجعل كل شيء يقودك. فالمشكلة ليست في أن تسيطر المشاعر عليك للحظة، وإنما في أن تسلمها مقود حياتك بالكامل.

هناك أشياء لا نستطيع التحكم فيها

في الحياة، نحب أن نؤمن بأن لكل شيء سببًا وحلًا وخطة. لكن المشاعر تذكرنا بأن هناك جانبًا في الإنسان لا يعمل دائمًا وفق المعادلات. قد نلتقي بشخص دون تخطيط، فنشعر تجاهه بشيء لا نفهمه. وقد نفقد شخصًا، فنكتشف أن الحزن أكبر بكثير مما توقعنا. وقد تمر سنوات، ثم تعود ذكرى قديمة فجأة لتطرق باب القلب وكأنها حدثت بالأمس.

وهنا ندرك أن بعض الأشياء لا يمكن التحكم في بدايتها، لكن يمكننا أن نتعلم كيف نتعامل معها. نحن لا نختار دائمًا ما نشعر به، لكننا نملك قدرًا كبيرًا من الاختيار فيما نفعله بهذا الشعور. وهذا فارق عظيم.

لا تحارب قلبك

ربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه هو ألا نحول داخلنا إلى ساحة حرب. لا تحارب حزنك وكأنه عدو. لا تخجل من اشتياقك. لا تكره نفسك لأنك ما زلت تحب. لا تعتبر دموعك دليلًا على الضعف. فبعض المشاعر تحتاج أن تُعاش حتى تهدأ، لا أن تُدفن حتى تتحول إلى وجع أعمق.

اسمح لنفسك أن تشعر، لكن لا تجعل الشعور يحكمك. ابكِ إن احتجت. ابتعد إن كان القرب يؤذيك. تحدث حين يكون الكلام شفاءً. اصمت حين يكون الصمت حماية. واختر نفسك حين يصبح التعلق بالآخرين خسارة لنفسك.

في النهاية… قد أستطيع أن أسيطر على قراراتي، وعلى خطواتي، وعلى كثير من تفاصيل حياتي. قد أستطيع أن أغير المكان، والعمل، والعلاقات، والعادات. لكنني لا أستطيع أن أفرض على قلبي متى يحب، ومتى يحزن، ومتى ينسى.

المشاعر لا تخضع للأوامر. هي تأتي كما تأتي الرياح؛ لا نستطيع منعها من المرور، لكن يمكننا أن نتعلم كيف نثبت أمامها. وربما ليست الحكمة أن نسيطر على مشاعرنا تمامًا، فهذا أمر لا يقدر عليه إنسان.

الحكمة أن نصل إلى تلك المساحة المتوازنة التي نقول فيها: سأسمح لنفسي أن أشعر… لكنني لن أسمح لشعوري أن يفقدني نفسي.

فالقوة ليست أن يصبح القلب بلا إحساس، القوة أن يبقى القلب حيًّا… دون أن يصبح أسيرًا لما يشعر به.

خالص تحياتي لكم جميعًا وصلّوا على الحبيب المصطفى بحبكم في الله…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية