دراما صَنَعَت بَطَلًا زَائِفًا

كتبت /روان عيسى محمد

​شهدت الآونة الأخيرة انتشارًا ملحوظًا للأعمال الدرامية والسينمائية التي يتسيدها طابع العنف والبلطجة؛ فلا يكاد يخلو فيلم أو مسلسل من تجسيد تجارة السموم والممنوعات، وإضفاء هالة من "البطولة الزائفة" على الشخصيات المارقة عن القانون. وغالبًا ما تُغلَّف هذه الشخصيات بإطار من التعاطف الإنساني عبر إيهام المشاهد بأن البطل يعيش حياة قاسية، أو أنه مُكره على سلك هذا الطريق الإنسدادي، حتى غدا "أخذ الحق بآليات القوة والذراع" هو المعيار الأسمى للبطولة في أذهان الكثيرين.

​ولعل الخطر الأكبر في هذا الطرح يكمن في تغييب حقيقة إنسانية أصيلة؛ وهي أن السلوك الإنساني محكوم بالاختيار لا الإجبار، فالإنسان كائن مُخيَّرٌ امتلك العقل ليميز به بين الخبيث والطيب، والصواب والخطأ. ومن ثمّ، فإن تبرير الجريمة بذريعة "الظروف القاسية" يمثل مغالطة أخلاقية تجعل من الانحراف خيارًا مقبولًا، بل ومستحسَنًا.

​ولم يقف أثر هذه الأعمال عند حدود الشاشات، بل امتد ليتجسد واقعًا عمليًا في الشارع المصري؛ إذ أصبحت سلوكيات العنف والبلطجة مشهدًا مألوفًا يُعاد إنتاجه يوميًا. وبينما نتساءل جميعًا بأسى عن أسباب هذا الانحدار الأخلاقي، ودوافع تفشي الجريمة بين الشباب، نغفل عن حقيقة جليّة: إن ما نراه في الشارع ليس سوى تطبيق الميداني لما يُعرض على الشاشات، بعد أن أَلِفَت الأعين مشاهد الجريمة واعتادتها.

​إن خطورة هذا التأثير تتضاعف عندما تطال فئة الأطفال؛ فالطفل الذي لم يتجاوز عامه الخامس يمتلك قدرة فائقة على محاكاة ما يشاهده، فيقلد حركات "البطل" ونبرة صوته وتصرفاته، لينشأ وفي عقله الجمعي أن السطوة والعنف هما السبيل الوحيد لإثبات الذات ونيل الاحترام.

​إن مسؤوليتنا اليوم تتطلب وقفة جادة لإعداد جيل يتمتع بالأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية النبيلة، وتذكر دائمًا أن الفن والدراما ليسا مجرد وسائل للترفيه، بل هما أداتان شديدتا التأثير في تشكيل وعي الإنسان وصياغة سلوك المجتمع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية