بين العائد المالي واستثمار العقول: هل يُضحى بمستقبل أبنائنا المغتربين من أجل النقد الأجنبي؟



كتبت/ د..نورا الجابري

مدرس الاقتصاد السياسي بمعهد راية العالي

 بين فرحة الإنجاز وخشية المجهول، تعيش عائلات المصريين بالخارج سنوياً طقساً عصيباً مع إعلان نتائج التوجيهي والثانوية، حيث تتحول الأرقام العالية إلى مصدر قلق بدلاً من أن تكون بوابة للطمأنينة. وفي هذا التوقيت الحرج، يتساءل آلاف الطلاب من دارسي المناهج المصرية والمجلس العربي للمعادلات: لماذا يُصطدم هذا الجهد الملموس بقواعد تنسيق تجعل القبول في كليات القمة المصرية عقبة كؤوداً مقارنة بالتسهيلات الممنوحة للطلاب الوافدين الأجانب؟ وهل يُعقل أن تُرَجَّح المكاسب المالية والموارد بالدولار على حساب حق المواطن الأصيل في جامعات وطنه؟"

إنها قضية تمس عصب الانتماء وتثير جدلاً مشوباً بالحسرة لدى أبناء العائلات التي اغتربت طلباً للرزق ومواجهة لتحديات المعيشة، متسائلين عن حدود العدالة والتكافؤ في التوزيع الجامعي.

بين "معادلة النسبة" والمرارة: هل تنسيق المغتربين تعسف أم نظام؟ تعتمد وزارة التعليم العالي المصرية في قبول الشهادات المعادلة على ما يُعرف بـ "النسبة المرنة". ينص هذا النظام على تخصيص مقاعد لأبناء الشهادات العربية والأجنبية بنسبة متناسبة مع أعدادهم مقارنة بأعداد طلاب الثانوية العامة داخل مصر.

تنشأ المشكلة عندما يتحصل الطالب المغترب على نسبة 98% أو 99% في شهادته العربية أو "المسار المصري"، لكنه يفاجأ بعد تطبيق معادلة الدرجات والتنسيق الداخلي بحرمانه من كلية الطب أو الهندسة في الجامعات الحكومية. يفسر الطلاب وأسرهم هذا الإجراء باعتباره نوعاً من التعسف أو "الظلم الواقع على أبناء الوطن"، خاصة أنهم درسوا ذات المناهج المصرية واجتازوا الاختبارات بنجاح باهر.

في المقابل، ترى الجهات التنظيمية أن تطبيق هذه النسب يهدف لحماية تكافؤ الفرص لطلاب الداخل الذين يخضعون لنظام تقييم واختبارات تختلف آلياته وطبيعة توزيع درجاته عن دول الابتعاث والإقامة.

معادلة العائد المالي مقابل حق المواطنة: مَن له الأولوية؟ يلاحظ الكثيرون وجود فرق ملموس في التيسيرات الممنوحة للطلاب الوافدين الأجانب من حيث الحدود الأدنى للقبول أو سرعة إجراءات التنسيق عبر مبادرات مثل "ادرس في مصر". وهنا يطرح السؤال نفسه: هل العائد المالي الأجنبي كافٍ لتفضيل الطالب الوافد على ابن الوطن؟

يعود هذا التباين لعدة أسباب هيكلية واقتصادية تستند إليها الدولة:

الاقتصاد التنموي والاستثمار التعليمي: يُعد جذب الطلاب الأجانب مصدراً لرفد خزينة الجامعات بالنقد الأجنبي، مما يساعد على تمويل البحث العلمي وتطوير البنية التحتية التعليمية.

القوة الناعمة والتصنيف الدولي: زيادة نسبة الطلاب الدوليين تُحسن بشكل مباشر تصنيف الجامعات في المؤشرات العالمية (مثل تصنيف تايمز وكيو إس)، وتصنع شبكة علاقات إقليمية ودولية لمصر.

استقلال المسارات: ينفصل مسار الوافدين الأجانب عن المقاعد المجانية أو المدعومة المخصصة للمواطنين، إذ يخضع القبول الأجنبي لرسوم بالدولار ولا ينافس بظاهره على المقاعد المجانية المحدودة.

ولكن في المقابل.. يرى أولياء الأمور المصريون بالخارج أن مصلحة أبناء الوطن يجب أن تأتي أولاً. فالمصريون بالخارج هم المساهم الأول في ضخ النقد الأجنبي عبر تحويلات العاملين بالخارج التي تمثل دعامة أساسية للاقتصاد القومي؛ ومن ثم فإن معاملة أبنائهم على أنهم "درجة ثانية" في التنسيق الجامعي بحجة تحصيل رسوم أعلى من الأجانب يُعد خللاً في ميزان الألويات الوطنية والتكافؤ الاجتماعي.

الحلول والخطوات المأمولة للتحقيق التكافؤ لتحقيق التوازن المطلوب وضمان حقوق طلابنا بالخارج دون الإخلال بكفاءة الموارد المالية لمنظومة التعليم العالي، يمكن التحرك وفق المحاور التالية:

أولاً: خطوات ومبادرات وزارة التعليم العالي المصرية

توسيع المقاعد بالمؤسسات الحديثة: إتاحة مسارات مخصصة لأبناء المغتربين بنفس شروط قبول الوافدين الميسرة في الجامعات الأهلية والتكنولوجية بأسعار مخفضة ومناسبة للمواطن المصري.

إعادة مراجعة آليات "النسبة المرنة": تحديث صياغة النسبة لتراعي التزايد السنوي في أعداد الطلاب المغتربين، وعدم مساواتهم المباشرة بظروف الشهادات الأجنبية البحتة إذا كانوا ينتمون لمسار التعليم المصري.

شفافية اختبارات القدرات والمقاصة: توحيد معايير المعادلة وإتاحة نظام اختبارات قدرات مركزية عادلة تقيس الكفاءة الحقيقية للطالب بدلاً من الاعتماد الكلي على معادلات درجات تتأثر بنظم تقييم الدول الأخرى.

ثانياً: الحلول المقترحة للأزمة

تخصيص "حصة إضافية" مستحدثة للمصريين بالخارج في كليات القمة بالجامعات الحكومية، تمول برسوم ميسرة بالعملة الأجنبية أو بالجنيه المصري تعوض التكلفة الإضافية دون مساس بالحق الأصيل للمواطن.

الاعتراف الكامل بـ "شهادة المسار المصري" كشهادة ثانوية عامة وطنية وتوفير مقاعد متوازنة لأصحابها دون إخضاعهم لتعقيدات الشهادات المعادلة العربية.

دور الأسرة: احتواء الصدمات والتخطيط المالي والنفسي تتحمل الأسرة المصرية في الغربة العبء الأكبر عند مواجهة هذه العقبة التنسيقية، ويقع على عاتقها أدوار جوهرية لحماية مستقبل الأبناء:

المرونة والتخطيط البديل: وضع خيارات متعددة قبل إعلان التنسيق، وعدم حصر النجاح في كلية واحدة أو جامعات معينة، مع استكشاف الجامعات الأهلية والخاصة المتميزة داخلياً وخارجياً.

الدعم النفسي وإزالة الضغوط: إدراك أن نظام التنسيق هو آلية توزيع أعداد وليس مقياساً لقيمة الطالب أو قدراته الذاتية، وحمايته من التوتر الناجم عن المقارنات.

المشاركة الفعالة في المطالبة النظامية: التواصل عبر القنوات الرسمية، مثل وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج ومجلس النواب، لنقل الصوت الحضاري للأسر والمطالبة بالتطوير المستمر للنظم واللوائح.

إن أبناءنا بالخارج هم ثروة مصر البشرية وسفراؤها في المستقبل، ولا ينبغي أن تُحسب الاستثمارات في التعليم بالأرقام والرسوم المالية وحدها؛ فالاستثمار الحقيقي والأول هو استثمار العقول الوطنية واحتضان تفوق أبناء مصر في جامعات وطنهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية