العقل الباطن.. الكلمات التي تهمس بها لنفسك قد تصنع قراراتك


 

كتبت /د.ولاء عسل 

قبل أن يراك الناس ناجحًا أو فاشلًا، قد تكون أنت أول من أصدر الحكم على نفسك.

جملة صغيرة تقولها لنفسك كل صباح، فكرة تكررها بعد كل إخفاق، أو اعتقاد قديم حملته معك لسنوات… أشياء تبدو بسيطة، لكنها قد تترك أثرًا في طريقة نظرتك إلى نفسك، وفي قراراتك وطريقة تعاملك مع المواقف.


نحن لا نعيش الأحداث فقط، بل نعيش أيضًا تفسيرنا لها. ولهذا فإن الحوار الداخلي الذي يدور داخل عقولنا يستحق أن نتوقف أمامه: ماذا نقول لأنفسنا عندما نفشل؟ ماذا نصدق عندما يخبرنا الخوف أننا لن نستطيع؟ وهل يمكن أن تتحول الأفكار المتكررة إلى أنماط تؤثر في سلوكنا؟


عندما تتحول الفكرة إلى عادة


العقل البشري لا يتعامل مع كل تجربة باعتبارها حدثًا منفصلًا؛ فالتكرار والتعلم والخبرات السابقة يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نستجيب بها للمواقف.


الشخص الذي يكرر لنفسه: «أنا لا أستطيع» قد يبدأ في تجنب التجربة خوفًا من الفشل، بينما من يقول: «الأمر صعب، لكن يمكنني أن أتعلم» قد يكون أكثر استعدادًا للمحاولة.


الفارق هنا ليس في الكلمات وحدها، وإنما في السلوك الذي قد ينتج عنها.


«أنا فاشل».. أخطر من «لقد فشلت»


هناك فرق كبير بين أن تقول: «لقد أخفقت في هذه المحاولة»، وأن تقول: «أنا شخص فاشل».


الأولى تصف موقفًا يمكن التعلم منه وتصحيحه، أما الثانية فتحول تجربة مؤقتة إلى حكم شامل على الإنسان نفسه.


ولهذا فإن إعادة صياغة الحوار الداخلي ليست مجرد تفكير إيجابي، وإنما محاولة للنظر إلى الموقف بصورة أكثر واقعية وعدلًا.


العقل الباطن ليس عصا سحرية


انتشرت في السنوات الأخيرة عبارات كثيرة عن «برمجة العقل الباطن» وتحقيق كل ما نتمناه بمجرد التفكير فيه.


لكن الواقع أكثر تعقيدًا.


الأفكار وحدها لا تصنع النجاح، ولا يمكنها أن تلغي الظروف أو المشكلات أو الحاجة إلى العمل. لكنها قد تؤثر في الانتباه والدافعية وطريقة تفسير التجارب، ومن ثم قد تنعكس على السلوك.


أن تقول لنفسك «سأنجح» لا يغني عن الدراسة والعمل، لكن أن تقول «أستطيع أن أتعلم وأتحسن» قد يساعدك على الاستمرار بدلًا من الاستسلام.


أطفالنا.. مرآة الكلمات التي نكررها


ولا يتوقف الأمر عند الكبار.


فالطفل الذي يسمع باستمرار: «أنت مهمل»، «أنت لا تفهم»، «أنت دائمًا تخطئ»، قد يبدأ في تكوين صورة سلبية عن قدراته.


أما أن نقول له: «أخطأت، لكن يمكنك أن تتعلم»، فنحن نفصل بين الخطأ وبين قيمة الطفل نفسه.


وهنا تأتي مسؤولية الأسرة والمدرسة؛ فالكلمات ليست بديلًا عن التربية، لكنها جزء مهم من البيئة التي يتعلم فيها الطفل كيف يرى نفسه.


كيف نغيّر الحوار الداخلي؟


التغيير يبدأ من ملاحظة ما يحدث داخلنا.


توقف عند الجملة التي تكررها كثيرًا عن نفسك.

هل هي حقيقة ثابتة؟ أم مجرد تجربة مؤلمة؟

هل تقول «لا أستطيع» لأنك جربت فعلًا وفشلت، أم لأنك تخشى المحاولة؟


جرّب أن تستبدل الأحكام النهائية بعبارات واقعية:


«لم أنجح بعد» بدلًا من «أنا فاشل».

«أحتاج إلى التعلم» بدلًا من «أنا لا أفهم».

«سأحاول مرة أخرى» بدلًا من «لا فائدة».


قد تبدو هذه التغييرات بسيطة، لكنها تعيد توجيه الانتباه من جلد الذات إلى البحث عن خطوة عملية.


الكلمة التي تقولها لنفسك ليست كل شيء.. لكنها ليست لا شيء


في النهاية، لا يستطيع الإنسان اختيار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يراجع الطريقة التي يتحدث بها مع نفسه، وأن يتعلم من أخطائه، وأن يغيّر بعض عاداته وأفكاره.


فربما لا تكون المشكلة دائمًا في أن الحياة قالت لك: «أنت لا تستطيع»…

بل في أنك صدقت هذه الجملة وكررتها حتى أصبحت جزءًا من قصتك.


راقب ما تقوله لنفسك؛ لأن الحوار الداخلي قد لا يغيّر العالم من حولك، لكنه قد يغيّر الطريقة التي تواجه بها هذا العالم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية