اضطرابات الشخصية عندما تتحول أنماط التفكير إلى صراع مع الحياة


كتبت /د . ولاء عسل 


ليس كل شخص صعب الطباع مريضًا نفسيًا.. وليس كل خلاف دليلًا على اضطراب. لكن عندما تتحول طريقة التفكير والشعور والتعامل مع الآخرين إلى نمط ثابت يسبب معاناة مستمرة، فقد نكون أمام مشكلة أعمق تستحق الفهم والمساعدة.

قد نلتقي شخصًا شديد الحساسية تجاه النقد، أو آخر لا يثق بأحد، أو شخصًا يتقلب في مشاعره بصورة حادة، أو من يضع نفسه دائمًا في مواجهة الآخرين. وربما نسمع عبارات مثل: «هو كده من زمان»، «دي شخصيته»، «مفيش فايدة منه».

لكن هل الشخصية فعلًا لا تتغير؟

الحقيقة أن الشخصية تتكون من مجموعة معقدة من الأفكار والمشاعر والسلوكيات التي تتشكل عبر سنوات طويلة، وتتأثر بالخبرات والعلاقات والبيئة. وفي بعض الحالات، تصبح بعض الأنماط شديدة الصلابة والاستمرار لدرجة تؤثر في حياة الإنسان وعلاقاته ودراسته أو عمله، وتسبب له أو لمن حوله معاناة حقيقية.

هنا تظهر اضطرابات الشخصية.

عندما تصبح الشخصية مصدرًا للمعاناة

اضطراب الشخصية ليس مجرد «طبع صعب» أو «شخصية مختلفة»، وإنما نمط طويل الأمد من التفكير والشعور والتصرف يختلف بصورة ملحوظة عن المتوقع في ثقافة الشخص وبيئته، ويؤثر في علاقاته أو عمله أو قدرته على التكيف مع الحياة.

والأهم أن هذه الأنماط لا تظهر عادة في موقف واحد، بل تكون متكررة ومستمرة عبر مواقف متعددة.

فالشخص الذي يشك في الآخرين أحيانًا لا يعني بالضرورة أنه يعاني اضطرابًا، والشخص الذي يغضب بشدة في موقف معين لا يعني أنه مصاب باضطراب في الشخصية.

الفارق الحقيقي يكمن في الاستمرار، والحدة، وتأثير النمط على الحياة.

لماذا يصعب اكتشافها؟

تكمن صعوبة اضطرابات الشخصية في أن الشخص قد لا يرى المشكلة في نمطه الخاص، بل يرى أن الآخرين هم سبب معاناته.

فالشخص الذي لا يثق بالآخرين قد يعتقد أن الجميع يخدعونه، ومن يبالغ في الخوف من الهجر قد يرى أن الآخرين يتخلون عنه عمدًا، بينما قد يفسر شخص آخر كل نقد باعتباره إهانة متعمدة.

وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من الصراعات التي تتكرر بأشكال مختلفة، بينما يظل السبب الأساسي غير واضح.

ليست كل اضطرابات الشخصية متشابهة

اضطرابات الشخصية ليست نوعًا واحدًا، بل مجموعة من الأنماط المختلفة.

هناك أنماط يغلب عليها الشك وعدم الثقة، وأخرى تتسم بالاندفاع والتقلب العاطفي وصعوبة استقرار العلاقات، وأخرى قد يظهر فيها التعالي والحاجة الشديدة إلى الإعجاب أو ضعف القدرة على مراعاة مشاعر الآخرين.

وهناك أيضًا أنماط يغلب عليها القلق والخوف من الرفض أو الحساسية الشديدة تجاه تقييم الآخرين.

ورغم اختلاف هذه الأنماط، فإن العامل المشترك بينها هو أن طريقة التفكير والتعامل تصبح جامدة ومتكررة، وتؤثر بصورة واضحة في حياة الشخص.

«هو مش قاصد».. ولكن النتيجة مؤلمة

من الأخطاء الشائعة أن نحكم على السلوك من خلال النية فقط.

قد لا يقصد الشخص إيذاء الآخرين، لكنه قد يتصرف بطريقة تجعل علاقاته تنهار باستمرار.

قد يعتذر ثم يكرر السلوك نفسه، أو يبالغ في الغضب، أو ينسحب من العلاقات خوفًا من الرفض، أو يختبر حب الآخرين له بطريقة مرهقة، أو يفسر تصرفاتهم بصورة سلبية باستمرار.

وهنا يصبح السؤال الأهم:

هل هذا السلوك مجرد موقف عابر.. أم نمط يتكرر حتى أصبح يعطل حياة صاحبه؟

لا تستخدم كلمة «اضطراب» كسلاح

في عصر تنتشر فيه المعلومات النفسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل جدًا إطلاق تشخيصات على الآخرين.

«نرجسي»، «حدّي»، «شكاك»، «مضطرب»..

لكن التشخيص النفسي ليس وصفًا نطلقه أثناء الخلاف، ولا يمكن تحديده من منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو من موقف واحد.

كما أن استخدام هذه المصطلحات بهدف الإهانة قد يزيد الوصمة النفسية ويجعل الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة أكثر خوفًا من طلبها.

افهم أولًا.. ثم احكم.

هل يمكن العلاج؟

نعم، ويمكن التعامل مع اضطرابات الشخصية من خلال العلاج النفسي، وتختلف الخطة العلاجية حسب طبيعة الحالة واحتياجات الشخص. وفي بعض الحالات قد تُستخدم الأدوية للمساعدة في التعامل مع أعراض أو اضطرابات مصاحبة، وفق تقييم متخصص.

والهدف ليس أن يتحول الإنسان إلى شخص آخر، وإنما مساعدته على فهم أنماطه، وتطوير طرق أكثر مرونة في التفكير والتعامل مع المشاعر والعلاقات، وتقليل السلوكيات التي تسبب له المعاناة.

والتغيير قد يكون تدريجيًا، لكنه ممكن.

متى نحتاج إلى طلب المساعدة؟

إذا كانت المشكلات نفسها تتكرر في العلاقات والعمل أو الدراسة، وإذا كان الشخص يعاني بصورة مستمرة من صراعات عاطفية أو اندفاع أو غضب أو شكوك أو خوف شديد من الرفض، أو إذا أصبحت هذه الأنماط تعطل حياته وتسبب له معاناة واضحة، فقد يكون من المفيد استشارة متخصص في الصحة النفسية.

ليس الهدف الحصول على «اسم» للمشكلة بقدر ما هو فهم ما يحدث والبحث عن طريقة أفضل للتعامل معه.

في النهاية.. الشخصية ليست قدرًا مكتوبًا

ربما تكون أصعب خطوة هي أن يعترف الإنسان بأن الطريقة التي اعتاد أن يعيش بها ليست بالضرورة الطريقة الوحيدة الممكنة.

فوراء بعض السلوكيات الصعبة إنسان يعاني، وخلف بعض ردود الفعل القاسية خوف أو ألم أو طريقة غير فعالة في حماية الذات.

لذلك، فإن فهم اضطرابات الشخصية لا ينبغي أن يقودنا إلى تصنيف الناس والحكم عليهم، بل إلى قدر أكبر من الوعي والتعاطف والمسؤولية.

فالشخصية قد تكون جزءًا من قصتنا.. لكنها ليست بالضرورة نهاية القصة.

وأحيانًا يبدأ التغيير الحقيقي بسؤال بسيط:

«هل المشكلة دائمًا في الآخرين.. أم أن هناك نمطًا في طريقة تفكيري يحتاج إلى أن أفهمه؟»

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية