مرةً أخرى، عاد الخريف
كتب /أحمد عبد الله الزنكنة
لا، ليس الخريف شيئًا يأتي من مكانٍ ما، بل هو شيءٌ يتفجّر من أعماق صمتنا. يعود كي يرينا شيئًا مختلفًا إلى حدٍّ لا يشبه حتى أكثر الصور رعبًا التي رسمناها يومًا لموتنا.
هل تأملتَ يومًا ألوان الموت؟
هل وقفتَ صامتًا أمام شيءٍ آخر، ورأيتَ كيف يمكن للفناء، في قلب سقوطه وانطفائه، أن يمنحك إحساسًا عميقًا بالسكينة والطمأنينة؟ حين تتساقط الأوراق الذهبية المتلألئة وتموت، لا يبدو الموت هنا نهايةً، بل لوحةً معلّقة بألوان الأصفر المحترق، والذهب العتيق، والأحمر الساحر.
تأمل أغصان الأشجار المحترقة وهي ترقص في عناق الريح، أو تأمل الضباب وهو ينساب فوق قمم التلال، ثم يذوب ببطء في صمت المساء. كل هذا السقوط يشبه حكايةً مقدسة، يسكب في أعماقنا طمأنينةً لا حدود لها.
أنا وُلدتُ في الأيام الأخيرة من هذا الفصل... في تلك اللحظة التي كان فيها العالم يستعدّ لسقوطه الكبير، وللدخول في صقيع العمر.
وليس غريبًا إذن أن آتي إلى هذا العالم كي أموت مع الخريف، ثم أعود بعد ذلك، مثله، إلى الحياة وسط رماد الألوان.
لكن الغرابة تكمن في شيءٍ آخر:
أن حياتي محاصرة بين إطارٍ ساكن وجسدٍ لا يتحرك؛ أقضي الوقت خلف نافذةٍ مغطاةٍ بالبخار، فوق كرسيٍّ لا أفعل فيه سوى مراقبة التاريخ وهو يعبر، ومراقبة الآخرين وهم يمضون.
جسدٌ لا يستطيع أن يخطو نحو أحضان الطرق البعيدة، وروحٌ في المقابل يغلي في أعماقها كل شغف الكون، وكل ألوانه، وكل الطرق التي لم تطأها قدماي.
أنا رجلٌ شديد القسوة، ثقيل الطباع، عصيٌّ على الاقتراب... والتعامل معي يحتاج إلى صبرٍ يكاد يكون أبديًا.
تحتاج فقط إلى أن تصمت، وأن تراقب أوراقي وهي تتساقط ببطء، حتى تتحول إلى رماد.
تحتاج إلى أن تحتمل شهورًا طويلة من صقيعٍ وضبابٍ وبردٍ وجليدٍ أبديّ يسكن داخلي...
تمامًا كأنك تعبر شتاءً طويلًا لا رحمة فيه، حتى يبدأ الجليد بالتشقق ببطء، وحتى ينفتح باب صمتي أخيرًا على وجه الربيع.
ربيعٌ تشعر فيه، في أعمق أعماقي، بعظمةٍ وطمأنينةٍ وأمانةٍ لا تستطيع أي عاصفة أن تنال منها.
أما الآن، فبدلًا من أن أستنزف ما تبقى مني في محاولة اجتياز الطرق التي لا تُقطع، أريد أن أصبح شجرةً صامتة في برية التاريخ.
شجرةً لا تحتاج إلى حركة الجسد كي تكون موجودة؛ شجرةً تقف في مكانها، متجذرةً في الأرض، وتدع الفصول والضباب والمطر والصقيع تمرّ فوقها.
أريد لروحي أن تخرج من إطار هذا الجسد الساكن، وأن تصبح كفراشتين صفراوين، تتيهان في الليل، بين شقوق الألوان المتساقطة...
أن أجد لنفسي مكانًا آخر، مكانًا يقف فيه الكون أمامي، ويسألني عن كل ذلك الضباب، وكل ذلك الصمت الذي تركه الخريف في داخلي.

تعليقات
إرسال تعليق