مرحلة الخطر في حياة أبنائنا... بين (الاحتواء والرقابة)
كتبت /الإعلامية د شيرين كمال
عندما يتغير أبناؤنا... كيف نعبر معهم مرحلة المراهقة بأمان المراهقة ليست معركة بين الآباء والأبناء... بل مرحلة تحتاج إلى فهم واحتواء
من أصعب المراحل التي يمر بها الأبناء مرحلة المراهقة، فهي مرحلة انتقالية تتغير فيها مشاعر الطفل وأفكاره وطريقة تعامله مع من حوله.
قد تجد ابنك الذي كان يحكي لك كل تفاصيل يومه أصبح قليل الكلام، وقد تجد ابنتك التي كانت قريبة منك أصبحت سريعة الغضب، ترفض بعض النصائح، وتريد أن تثبت أنها أصبحت قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.
وهنا يبدأ القلق عند الأهل:
ماذا حدث لابني
لماذا تغيرت ابنتي
لماذا أصبح الحوار بيننا صعبًا؟
والحقيقة أن كثيرًا من هذه التغيرات جزء من طبيعة المرحلة، لكن طريقة تعامل الأسرة معها هي التي قد تجعلها تمر بسلام، أو تتحول إلى صراع مستمر.
أولًا: لا تجعل ابنك يشعر أنه متهم دائمًا
من أكثر الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء أن يبدأ الحوار بالاتهام:
"أنت اتغيرت."
"أنت مش بتسمع الكلام."
"أنت بقيت عنيد."
"أصحابك هما السبب."
مع كثرة الاتهامات، يبدأ الابن في الدفاع عن نفسه بدلًا من الاستماع إلى والديه.
حاول أن تستبدل الاتهام بالفهم.
بدلًا من:
"إنت ليه عملت كده
قل:
"أنا عايز أفهم إيه اللي خلاك تعمل كده."
الفرق بسيط في الكلمات، لكنه كبير جدًا في النتيجة.
استمع قبل أن تنصح
الابن في هذه المرحلة لا يحتاج دائمًا إلى محاضرة.
أحيانًا يحتاج فقط إلى شخص يسمعه دون أن يقاطعه أو يسخر منه أو يقلل من مشكلته.
قد ترى أن المشكلة صغيرة جدًا، لكنها بالنسبة إليه قد تكون أكبر ما يشغل تفكيره.
لا تقل:
"دي حاجة تافهة."
لأنك بذلك لا تلغي المشكلة، بل تلغي مشاعره تجاهها.
قل:
"أنا فاهم إن الموضوع مضايقك، تعالى نفكر فيه مع بعض."
هنا يشعر الابن أنك إلى جواره، وليس في مواجهته. ضع حدودًا واضحة... لكن دون إهانة
الاحتواء لا يعني ترك الأبناء يفعلون كل ما يريدون.
هناك قواعد يجب أن تكون واضحة داخل المنزل، مثل احترام الوالدين، والالتزام بالدراسة، وتنظيم استخدام الهاتف، والحفاظ على الخصوصية والأمان.
لكن وضع الحدود لا يحتاج إلى الإهانة أو الضرب أو التهديد المستمر.
يمكن أن تقول:
"أنا بحبك، وعشان كده في حاجات لازم يكون لها حدود."
فالابن يحتاج أن يعرف أن وجود القواعد لا يعني أن الحب مشروط بالطاعة.
لا تجعل الهاتف والسوشيال ميديا يأخذان مكانك
في زمننا، لم يعد الأب والأم وحدهما من يربيان أبناءهما.
هناك الهاتف، والأصدقاء، والمؤثرون، والألعاب، والمنصات المختلفة، وكلها تحاول أن تحصل على جزء من انتباه الابن.
لذلك لا يكفي أن تقول:
"اقفل الموبايل."
الأهم أن يكون لديك حضور حقيقي في حياة ابنك.
اعرف ماذا يشاهد، وما الذي يحبه، ومن هم أصدقاؤه، وما الأفكار التي تشغله، دون أن تتحول مراقبته إلى تحقيق أمني.
الرقابة الحقيقية ليست أن تعرف كل حركة يفعلها ابنك، بل أن تجعله يعرف أنه يستطيع الرجوع إليك عندما يواجه مشكلة.
خامسًا: لا تسخر من مشاعره
قد يحب ابنك شخصًا، أو يمر بخلاف مع صديق، أو يشعر بالفشل، أو يقلق من شكله، أو يشعر أنه غير محبوب.
لا تضحك من مشاعره ولا تقل:
"إنت لسه صغير."
المشاعر لا تنتظر تصريحًا رسميًا حتى تبدأ.
استمع إليه، وناقشه بهدوء، وساعده على فهم مشاعره واتخاذ قرارات أكثر نضجًا.
سادسًا: أعطه مساحة... دون أن تتركه وحده
المراهق يحتاج إلى الخصوصية، لكنه يحتاج أيضًا إلى الأمان.
وهنا يجب أن نحقق التوازن بين:
الثقة والرقابة.
الحرية والمسؤولية.
الخصوصية والأمان.
لا تدخل إلى كل تفاصيل حياته دون سبب، وفي الوقت نفسه لا تتركه يواجه عالمًا كاملًا بمفرده.
اجعل بابك مفتوحًا دائمًا.
ليعرف ابنك أن هناك مكانًا يستطيع العودة إليه مهما أخطأ.
سابعًا: لا تقارن ابنك بغيره
من أكثر الجمل التي تترك أثرًا مؤلمًا:
"شوف ابن فلان."
"أختك أحسن منك."
"صاحبك متفوق وأنت لأ."
المقارنة لا تصنع دائمًا إنسانًا أفضل، لكنها قد تصنع إنسانًا يشعر أنه غير كافٍ.
قارن الابن بنفسه:
"أنت كنت أفضل في النقطة دي، وأنا عايز أساعدك ترجع لمستواك."
هنا يتحول الحوار من منافسة مع الآخرين إلى تطوير للنفس.
ثامنًا: انتبه للتغيرات الكبيرة
هناك فرق بين التغير الطبيعي في المراهقة، وبين تغيرات تستحق الانتباه الجاد.
مثل الانعزال الشديد والمستمر، أو تغير النوم والأكل بشكل ملحوظ، أو تراجع مفاجئ في الدراسة، أو فقدان الاهتمام بكل ما كان يحبه، أو السلوكيات الخطرة، أو الحديث المتكرر عن الموت أو إيذاء النفس.
في هذه الحالات لا يكفي أن نقول:
"دي مرحلة وهتعدي."
الأفضل طلب مساعدة مختص نفسي أو طبي مناسب، خصوصًا إذا كانت التغيرات شديدة أو مستمرة.
وأهم شيء...
لا تنتظر حتى يصبح ابنك في أزمة ثم تبدأ في محاولة الاقتراب منه.
ابنِ العلاقة قبل المشكلة.
اجلس معه دون مناسبة.
تناولوا الطعام معًا.
اسأله عن يومه.
شاركه شيئًا يحبه.
اضحك معه.
احترم رأيه حتى عندما تختلف معه.
واجعل له في البيت مساحة يشعر فيها أنه محبوب، وليس فقط مراقبًا ومحاسبًا.
فالابن الذي يخاف من والديه قد يخفي أخطاءه.
أما الابن الذي يثق في والديه، فغالبًا يكون أكثر استعدادًا للحديث عندما يقع في مشكلة.
المراهقة ليست مرحلة نخسر فيها أبناءنا، بل مرحلة نعيد فيها بناء علاقتنا بهم بشكل جديد.
هم لم يعودوا أطفالًا، لكنهم أيضًا لم يصبحوا بالغين بعد.
ولهذا يحتاجون إلى شيء صعب جدًا على بعض الآباء:
أن نمنحهم الثقة دون أن نتخلى عن دورنا، وأن نضع الحدود دون أن نكسرهم، وأن نربيهم دون أن نفقدهم.
وفي النهاية، تذكروا دائمًا:
ابنك لا يحتاج أبًا أو أمًا لا يخطئان، بقدر ما يحتاج أبوين يستطيع أن يعود إليهما عندما يخطئ.
والتربية الحقيقية ليست أن تجعل ابنك يخاف منك...
بل أن تجعله يثق بك، ويحترمك، ويعرف أنك ستكون بجانبه عندما تضيق به الدنيا.

تعليقات
إرسال تعليق