الموسيقى ليست ما نسمعه بل ما يحدث لنا عندما نسمع

تأملات_ناصر_زاهر

العلاج_بالموسيقى

هندسة_الوعي_الموسيقى

كتب /معالى السفير د .ناصر زاهر


ماذا لو كانت أكبر مشكلة في علاقتنا بالموسيقى أننا تعاملنا معها طوال الوقت باعتبارها صوتا


ماذا لو كانت الموسيقى أعمق من ذلك بكثير


ماذا لو كان الصوت مجرد الباب


وكانت الموسيقى هي ما يحدث خلف الباب


نحن نسمع الموسيقى بآذاننا لكننا لا نعيشها بالآذان وحدها


نعيشها بأجسادنا وذاكرتنا ومشاعرنا وخبراتنا ووعينا


ولهذا يمكن لنغمة واحدة أن تجعل انسانا يبكي بينما تجعل النغمة نفسها انسانا آخر يبتسم


الصوت واحد


لكن الانسان ليس واحدا


وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية


الموسيقى لا تدخل الى الانسان كما تدخل المعلومة الى العقل


المعلومة يمكن ان نرفضها او نقبلها


اما الموسيقى فقد تتسلل الى منطقة لا نعرف حتى كيف نسميها


توقظ ذكرى


تحرك شعورا


تغير حالة


تفتح بابا


او تجعلنا للحظات نرى انفسنا من الداخل


وهذا هو السبب الذي يجعلني ارى ان المستقبل الحقيقي للعلاج بالموسيقى لن يكون في سؤال


ما الاغنية المناسبة لهذا المرض


بل في سؤال اكثر عمقا


ما الذي يحدث لهذا الانسان عندما يلتقي بهذا الصوت في هذه اللحظة من حياته


هنا ينتقل العلاج بالموسيقى من تشغيل الاغاني الى قراءة الانسان


ومن اختيار الموسيقى الى فهم الاستجابة


ومن الصوت الى الوعي


فالطفل الذي يضرب الطبل ليس مجرد طفل يصدر ضوضاء


ربما هو طفل اكتشف للمرة الاولى ان لديه قدرة على صناعة صوت يستجيب له العالم


والشخص الذي يكرر لحنا معينا ليس بالضرورة يكرر النغمة فقط


ربما هو يبحث عن شيء مألوف يمنحه شعورا بالامان


والشخص الذي يرفض المشاركة الموسيقية لا ينبغي ان نعتبره فاشلا في الجلسة


ربما يكون رفضه نفسه رسالة


الموسيقى هنا لا تصبح اختبارا للقدرة الموسيقية


بل تصبح لغة لاكتشاف الذات


وهذا هو التحول الذي نحتاجه


ان نتوقف عن النظر الى الانسان باعتباره حالة


ونبدأ في رؤيته باعتباره قصة


لا يوجد انسان اسمه توحد


ولا انسان اسمه داون


ولا انسان اسمه خرف


ولا انسان اسمه اعاقة


هناك انسان يعيش تجربة لها ملامحها الخاصة


والتشخيص قد يساعدنا على فهم بعض احتياجاته


لكنه لا يختصره


لان الانسان دائما اكبر من اسم حالته


وهنا تأتي الموسيقى لتذكرنا بهذه الحقيقة


فحين يمسك شخص بآلة موسيقية لا يعود مجرد رقم في ملف


يصبح مشاركا


صانعا


معبرا


ومؤثرا


وهذه النقلة وحدها تحمل قيمة انسانية هائلة


لان العلاج الحقيقي لا يبدأ دائما عندما نعالج المشكلة


بل قد يبدأ عندما نعيد للانسان احساسه بأنه قادر


قادر على الاختيار


قادر على المشاركة


قادر على التعبير


قادر على ان يصنع شيئا له معنى


ومن هنا يصبح الايقاع اكثر من مجرد زمن موسيقي


يصبح وسيلة لتنظيم العلاقة بين الانسان والعالم


اضرب


ثم انتظر


اسمع


ثم استجب


اقترب


ثم اترك مساحة


شارك


ثم دع الآخر يشارك


هذه ليست قواعد موسيقية فقط


هذه قواعد للحياة


وهنا اكتشفت ان الموسيقى يمكن ان تعلم الانسان شيئا عجزت عنه كثير من الخطب


ان الحياة ليست عزفا منفردا


وان الانسان الذي يريد ان يسمع نفسه يجب ان يتعلم ايضا كيف يسمع الآخرين


في الفرقة الموسيقية لا تستطيع آلة واحدة ان تملأ كل المساحة


اذا عزف الجميع في اللحظة نفسها ضاعت الموسيقى


واذا رفض الجميع الصمت اختفى المعنى


واذا حاولت آلة واحدة ان تسيطر على الجميع تحولت الموسيقى الى فوضى


وهكذا هي الحياة


نحن لا نحتاج الى مزيد من الناس الذين يريدون ان يكونوا الصوت الوحيد


نحتاج الى انسان يعرف متى يتكلم


ومتى يصمت


ومتى يقود


ومتى يتبع


ومتى يترك للآخر مساحة ليظهر


هذه هي هندسة الوعي الموسيقي في معناها الأعمق


ان ننتقل بالموسيقى من الاذن الى الوعي


ومن الوعي الى السلوك


ومن السلوك الى الانسان


لكن هناك طبقة اكثر عمقا


الروح


الروح لا تحتاج الى موسيقى حتى توجد


لكن الانسان قد يحتاج الى الموسيقى حتى يهدأ بما يكفي لكي يسمعها


وهنا الفرق كبير


الموسيقى ليست طريقا سحريا الى الروح


لكنها قد تكون مساحة للصمت الداخلي


وحين يهدأ الضجيج يستطيع الانسان ان يراجع نفسه


يسألها


ماذا اريد


ماذا اخاف


ماذا فقدت


ماذا ما زلت احب


ومن اكون عندما لا اكون مضطرا الى اثبات نفسي امام احد


هذه الاسئلة قد تكون بداية رحلة وعي كاملة


ولهذا فإن الموسيقى في رؤيتي ليست مجرد اداة علاج


انها يمكن ان تكون اداة معرفة


نعرف بها الانسان


ونعرف بها حالته


ونعرف بها ذاكرته


ونعرف بها طريقة تواصله


وربما نعرف بها اشياء عن انفسنا لم نكن نعرفها من قبل


لقد حان الوقت ان نتوقف عن سؤال الموسيقى


ماذا تستطيعين ان تفعلي بالانسان


ونسأل سؤالا آخر


ماذا تكشف الموسيقى لنا عن الانسان


لان الفرق بين السؤالين هو الفرق بين استخدام الموسيقى وفهم الموسيقى


وبين تشغيل الموسيقى وبناء علم حولها


وبين ان تكون الموسيقى مجرد نشاط


وان تصبح الموسيقى لغة من لغات الوعي


وقد يكون هذا هو المشروع الاكبر الذي يجب ان نحلم به


ان نعيد تعريف علاقتنا بالصوت


ان نفهم كيف يتحول الصوت الى تجربة


والتجربة الى احساس


والاحساس الى وعي


والوعي الى سلوك


والسلوك الى حياة


عندها لن تكون الموسيقى شيئا نسمعه ثم ينتهي


بل تجربة تترك في الانسان شيئا جديدا


قد لا نراه


وقد لا نستطيع قياسه في اللحظة نفسها


لكننا نراه عندما يتغير الانسان


عندما يصبح اكثر قدرة على التواصل


عندما يتحرك بعد ان كان ساكنا


عندما يبتسم بعد ان كان منغلقا


عندما يشارك بعد ان كان معزولا


عندما يعبر بعد ان كان صامتا


عندما يستعيد ثقته بنفسه


عندما يكتشف ان لديه صوتا حتى لو لم يكن هذا الصوت كلمة


هنا فقط نفهم لماذا تستحق الموسيقى ان نعيد التفكير فيها


لانها ليست مجرد شيء يدخل الى آذاننا


انها شيء يمكن ان يوقظ فينا معنى


والانسان الذي يستعيد المعنى يستطيع ان يبدأ من جديد


وربما تكون الرسالة التي يجب ان نتركها للاجيال القادمة هي هذه


لا تستخدموا الموسيقى فقط لكي تجعلوا الناس سعداء


استخدموها لكي تساعدوا الانسان على ان يعرف نفسه


لا تجعلوا الطفل يقلد الايقاع فقط


ساعدوه على اكتشاف قدرته على صنعه


لا تجعلوا الانسان يسمع اللحن فقط


ساعدوه على اكتشاف ما يقوله هذا اللحن بداخله


لا تجعلوا العلاج بالموسيقى مجرد جلسة


اجعلوا كل جلسة فرصة للانسان كي يقترب خطوة من ذاته


لاننا في النهاية لا نبحث عن انسان يسمع الموسيقى بشكل افضل


بل عن انسان يستطيع ان يعيش حياته بانسجام اكبر


وهنا تبدأ الموسيقى الحقيقية


ليس عندما يبدأ الصوت


بل عندما يبدأ الانسان في التغير



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية