أبطال وملائكة الرحمة في كل أزمة، وفي كل لحظة يظن فيها الناس أن الدنيا خلت من الخير، يظهرون هم. لا يبحثون عن كاميرا، ولا ينتظرون تصفيقاً. يدخلون حيث يهرب الآخرون، ويبتسمون في وجه الخوف، ويحملون على أكتافهم أثقل ما في الحياة: أرواح البشر.


كتب/ نزية عتيق  

البطل ليس فقط من حمل السلاح ودافع عن الوطن. البطل الحقي هو من حمل قلباً لا يعرف اليأس. الطبيب الذي يقضي 24 ساعة في الاستقبال، وعيناه لا تغلقان حتى يطمئن على آخر مريض.

الممرضة التي تمسح دمعة مريض قبل أن تعطيه الدواء، لأنها تعرف أن الدواء وحده لا يكفي.

المُسعف الذي يقود سيارة الإسعاف وسط الزحام والنار، والدقيقة عنده تساوي عمراً.

المتطوع* الذي يوزع الماء والطعام في الكوارث، ويغسل .


هؤلاء لا يرتدون عباءات خارقة، لكن أفعالهم هي الخارقة.



كثيرون يظنون أن الرحمة مجرد إحساس. لكن في غرف العمليات وفي سيارات الإسعاف وفي خيام الإغاثة، الرحمة تتحول إلى مهنة. 

مهنة تحتاج علماً، وصبراً، وقوة أعصاب، وقلباً لا يتبلد مهما رأى.

الطبيب الذي يخبر أسرة بخبر سيء ثم يعود ليكمل عمله، والممرضة التي تكرر نفس التعليمات للمريض العاشر بنفس الحب، ورجل الإطفاء الذي يدخل المبنى المنهار وهو يعرف أن النجاة احتمال... كل هؤلاء يمارسون الرحمة كقرار يومي.


لأن الملائكة في لغتنا تعني "الرسل". وهم رسل الأمل. 

يأتون في أحلك اللحظات ليقولوا للإنسان: "أنت لست وحدك". 

يمسحون عن جبين الوطن عرقه، وعن عين الطفل خوفه، وعن قلب الأم فزعها. 

لا يفرقون بين غني وفقير، ولا بين معروف ومجهول. ميزانهم الوحيد: "إنسان يحتاجني".


في كورونا رأيناهم، في الزلازل رأيناهم، في الحوادث اليومية نراهم. صامتون، متعبون، لكنهم لا يتوقفون.



تكريم هؤلاء ليس مجرد كلمة "شكراً". 

تكريمهم أن نحميهم بالقانون، وأن نوفر لهم أدواتهم، وأن نعلم أولادنا أن هذه المهن هي فخر الأمم. 

تكريمهم أن نكون نحن أيضاً رحماء في أماكننا. سائق يفسح للإسعاف، مواطن يتبرع بالدم، جار يسأل عن جاره المريض.


المجتمع الذي لا يحترم أبطال الرحمة، هو مجتمع ينسى كيف يحيا.


في نهاية اليوم، ستنطفئ الأضواء، وستُغلق النشرات، وسيعود معظمنا إلى بيته. 

لكن هم سيبقون في الوردية التالية، وفي الحادث التالي، وفي الغرفة رقم 3.

لا يطلبون أكثر من دعوة صادقة، ومن مجتمع يتذكرهم.


تحية لكل طبيب، وممرضة، ومسعف، ومتطوع، ورجل إنقاذ. 

أنتم لستم موظفين. أنتم أبطال وملائكة الرحمة الذين يبقون هذا العالم إنساناً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية