حصريا : مصر أمام اختبار الأزمات العالمية: من إدارة المعاناة إلى بناء مقومات الصمود والاستقلال الاستراتيجي
كتب /معالى اللواء د.م سامى محمود دنيا
أولًا: لا تقرأ وضع مصر بمعزل عن العالم.
الأزمة الاقتصادية والطاقة والغذاء لم تكن مصر وحدها في مواجهتها، ولذلك فإن تقييم الوضع يحتاج إلى مقارنة ما يحدث داخليًا بما يحدث في الاقتصادات الكبرى والأسواق العالمية.
ثانيًا: الأمن الغذائي والطاقة أصبحا جزءًا من الأمن القومي.
توسيع الزراعة، وزيادة قدرات التخزين، وتطوير الصوامع، وإنشاء محطات معالجة المياه، وتطوير معامل التكرير وشبكات النقل والموانئ؛ كلها ملفات تتجاوز فكرة المشروع الخدمي إلى بناء قدرة الدولة على مواجهة أزمات الإمداد العالمية.
ثالثًا: البنية التحتية لا تظهر قيمتها كاملة وقت الرخاء فقط.
الطرق والموانئ وشبكات النقل والمناطق الصناعية والمدن الجديدة يمكن أن تتحول إلى أدوات للإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار، لكن الحكم النهائي على جدواها الاقتصادية يرتبط بما ستولده فعليًا من إنتاج وفرص عمل وصادرات وإيرادات.
رابعًا: تنويع مصادر الاستيراد أصبح ضرورة.
الأزمات التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أثبتت أن الاعتماد على مصدر واحد للطاقة أو الغذاء أو مستلزمات الإنتاج يمثل مخاطرة كبيرة، ومن هنا تأتي أهمية تعدد الشركاء والمصادر.
خامسًا: التخزين الاستراتيجي ليس رفاهية.
الدولة التي تستطيع الاحتفاظ بمخزون كافٍ من السلع والطاقة لفترات الأزمات تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وتقليل أثر الاضطرابات العالمية على المواطنين والأسواق.
سادسًا: البحث العلمي والزراعة والتكنولوجيا ملفات اقتصادية وليست ترفًا.
رفع إنتاجية الفدان، واستنباط أصناف أكثر ملاءمة للظروف المصرية، وتقليل استهلاك المياه، وتطوير التكنولوجيا ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي؛ كلها استثمارات لا تظهر نتائجها بالضرورة في يوم وليلة، وإنما تقاس بعوائدها المتراكمة على المدى الطويل.
سابعًا: النجاح الحقيقي لا يعني غياب المعاناة.
وجود ضغوط على المواطنين وارتفاع في تكاليف المعيشة لا يتعارض بالضرورة مع قدرة الدولة على تجنب أزمات أشد. لذلك يجب التفريق بين تحمل الأزمة وبين انتهاء آثارها.
ثامنًا: الأرقام هي الفيصل.
أي حديث عن الاكتفاء الذاتي أو زيادة الصادرات أو انخفاض الأسعار أو تحقيق عوائد ضخمة من المشروعات يجب أن يُقاس ببيانات رسمية قابلة للتحقق، وليس بمجرد التوقعات أو التصريحات.
تاسعًا: المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل الاستثمارات إلى إنتاج.
البنية الأساسية وحدها لا تكفي؛ القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى مصانع تعمل، وإنتاج قابل للتصدير، وزيادة في الإنتاجية، وفرص عمل، وعوائد مستدامة.
عاشرًا: التفاؤل مطلوب… لكن الوعي أهم.
لا ينبغي أن يقودنا الخوف إلى التشاؤم، ولا أن يقودنا التفاؤل إلى تجاهل المشكلات. المطلوب هو قراءة الواقع كما هو، ومتابعة المؤشرات الاقتصادية والإنتاجية والطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار بصورة مستمرة.
الخلاصة:
ما يجري حول مصر يؤكد أن العالم دخل مرحلة أصبحت فيها القدرة على الصمود وتأمين الاحتياجات الأساسية وتنويع مصادر القوة الاقتصادية عوامل لا تقل أهمية عن حجم الثروة نفسها.
ومصر، بما لديها من موقع جغرافي وسوق كبير وقاعدة إنتاجية وبنية تحتية واستثمارات ممتدة في الزراعة والطاقة والنقل والصناعة، تملك مقومات يمكن أن تساعدها على مواجهة الصدمات العالمية.
لكن المرحلة القادمة هي الأهم؛ لأن المشروعات تتحول إلى نجاح اقتصادي حقيقي عندما تتحول من أصول واستثمارات إلى إنتاج وصادرات وعوائد وفرص عمل وتحسن ملموس في حياة المواطن. فلننظر إلى المستقبل بتفاؤل، ولكن أيضًا بعين مفتوحة على الأرقام والحقائق.

تعليقات
إرسال تعليق