كيف نعالج غياب الوعي في الشارع العربي؟
كتب /مجاهد عابدين
باحث في الوعي الجمعي العربي
في المقالة السابقة تحدثنا عن الوعي الذاتي، وعن قدرة الإنسان على تطوير نفسه ليصبح قدوة ملهمة وعنصرًا فاعلًا في واقعه.
لكن هناك سؤالًا أكبر يفرض نفسه:
ماذا يحدث عندما يغيب الوعي عن الشارع؟
عندما يصبح السلوك الفردي بلا مسؤولية، والحوار صراعًا، والاختلاف خصومة، والمعلومة تُنقل قبل التأكد منها، وتتحول وسائل التواصل الاجتماعي من وسيلة للمعرفة إلى مساحة للفوضى والتجريح؟
هنا لا تعود المشكلة في فرد واحد، وإنما تصبح قضية مجتمع يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
فالوعي لا يُزرع بالمواعظ وحدها
من الخطأ أن نعتقد أن علاج غياب الوعي يكون بكثرة الكلام عن الأخلاق والقيم.
الوعي لا يُلقّن فقط، بل يُبنى بالممارسة.
فالطفل الذي يرى الاحترام في بيته، والطالب الذي يجد القدوة في مدرسته، والشاب الذي يرى تكافؤ الفرص والعدل في مجتمعه، والمواطن الذي يشعر أن القانون يطبق على الجميع، يتعلم الوعي من الواقع قبل أن يتعلمه من الكتب.
ولهذا فإن بناء الوعي مسؤولية مشتركة تبدأ من الإنسان، لكنها لا تنتهي عنده.
الأسرة هي نقطة البداية
قبل أن نلوم الشارع، علينا أن نسأل: ماذا يحدث داخل البيت؟
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الاحترام والمسؤولية والانضباط والصدق وقبول الآخر.
إذا نشأ الطفل على أن القوة تعني فرض الرأي، وأن الخطأ دائمًا مسؤولية الآخرين، وأن الكذب وسيلة مقبولة لتحقيق المصلحة، فمن الصعب أن نطلب منه عندما يكبر أن يكون مواطنًا واعيًا.
لذلك فإن إصلاح الشارع يبدأ بجيل جديد يتعلم منذ الصغر أن الحرية مسؤولية، وأن الحقوق يقابلها واجبات، وأن احترام الآخرين ليس ضعفًا.
المدرسة والجامعة… من التعليم إلى بناء الشخصية
التعليم الذي يكتفي بحشو المعلومات قد يصنع حافظًا جيدًا، لكنه لا يصنع بالضرورة إنسانًا واعيًا.
نحتاج إلى تعليم يعلّم أبناءنا كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون فقط.
أن يتعلم الطالب كيف يناقش، وكيف يبحث عن المعلومة، وكيف يميز بين الحقيقة والشائعة، وكيف يختلف دون إساءة، وكيف يتحمل نتيجة قراره.
فالهدف ليس تخريج أجيال تعرف الإجابة عن الأسئلة فقط، وإنما أجيال تعرف كيف تطرح السؤال الصحيح.
الإعلام ووسائل التواصل… مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الأسرة
الشارع العربي اليوم لم يعد هو المكان الذي نمشي فيه فقط.
هناك شارع آخر داخل هواتفنا؛ نشاهده ونشارك فيه ونتأثر به كل يوم.
وهنا تظهر مسؤولية كبيرة على الإعلام وصناع المحتوى والمستخدم العادي.
قبل أن تنشر خبرًا اسأل: هل هو صحيح؟
وقبل أن تهاجم شخصًا اسأل: هل أعرف الحقيقة كاملة؟
وقبل أن تشارك مقطعًا اسأل: هل أساهم في نشر الوعي أم في نشر الفوضى؟
ليست كل معلومة تستحق النشر، وليست كل معركة تستحق أن نخوضها.
وأحيانًا يكون الامتناع عن نشر الشائعة موقفًا وطنيًا أكثر قيمة من مئات المنشورات.
القانون وحده لا يصنع مجتمعًا واعيًا
القانون ضروري لضبط السلوك وحماية الحقوق، لكنه لا يستطيع أن يكون حاضرًا خلف كل إنسان.
المجتمع الواعي هو الذي يفعل الصواب حتى عندما لا يراقبه أحد.
نريد أن تصبح المحافظة على الممتلكات العامة سلوكًا طبيعيًا، واحترام الطوابير أمرًا بديهيًا، والحفاظ على نظافة المكان مسؤولية شخصية، واحترام الكبير والضعيف وأصحاب الاحتياجات المختلفة قيمة إنسانية.
القانون يضع الحدود، لكن الوعي يجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه.
لا نعالج الغياب بالاتهام… بل بالمشاركة
من أخطر ما يمكن أن نفعله أن نقسم المجتمع إلى: “واعٍ” و”غير واعٍ”، ثم يبدأ كل طرف في اتهام الآخر.
الوعي ليس امتيازًا لفئة دون أخرى.
كلنا نحتاج إلى أن نراجع أنفسنا.
وقد يكون علاج غياب الوعي في أن نعيد للمواطن إحساسه بأنه شريك في المجتمع وليس مجرد متلقٍ للأوامر.
عندما يشعر الإنسان أن رأيه له قيمة، وأن واجبه له معنى، وأن نجاح المجتمع سينعكس عليه وعلى أبنائه، يصبح أكثر استعدادًا للمشاركة وتحمل المسؤولية.
نحتاج إلى قدوات حقيقية
المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يتحدثون عن الفضيلة، بقدر حاجته إلى أشخاص يمارسونها أمام الناس.
المعلم القدوة، والموظف القدوة، والأب القدوة، والمسؤول القدوة، والإعلامي القدوة، والشاب القدوة.
فحين يرى الناس نموذجًا ناجحًا يجمع بين الكفاءة والأخلاق، يصبح الكلام عن الوعي أكثر صدقًا وتأثيرًا.
وأين دورنا نحن؟
هنا يجب أن نتوقف عن انتظار الحكومة، والمدرسة، والإعلام، والأسرة، وكل طرف آخر.
ماذا أفعل أنا؟
هذا هو السؤال الذي يبدأ به الوعي الحقيقي.
ابدأ من المكان الذي تستطيع التأثير فيه:
في بيتك، كن قدوة.
في عملك، كن أمينًا.
في الشارع، احترم النظام.
على مواقع التواصل، كن مسؤولًا.
في الحوار، احترم المختلف.
وعندما تخطئ، امتلك شجاعة الاعتراف والتصحيح.
لا تقل: ماذا سيفعل الآخرون؟
قل: ماذا أستطيع أن أفعل أنا؟
الوعي مشروع أمة
غياب الوعي ليس مشكلة بسيطة يمكن علاجها بحملة إعلامية عابرة، وإنما هو قضية بناء إنسان.
والشارع العربي لن يتغير بكثرة الشعارات، بل عندما يتحول الوعي إلى سلوك يومي، والمسؤولية إلى ثقافة، والاحترام إلى عادة، والاختلاف إلى حوار، والقانون إلى عدالة، والتعليم إلى بناء للعقل والشخصية.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يتفق أفراده في كل شيء، بل إلى مجتمع يختلف أفراده بوعي، ويتحاورون باحترام، ويعملون رغم اختلافاتهم من أجل مصلحة أكبر.
وهنا تكتمل رحلة الوعي:
أن أبدأ بنفسي، فأصبح أكثر وعيًا…
ثم أكون قدوة في أسرتي…
ثم عنصرًا إيجابيًا في مجتمعي…
ثم شريكًا في بناء وطني…
وعندما تتسع هذه الدائرة من إنسان إلى إنسان، يبدأ الشارع العربي في استعادة وعيه.
فالنهضة الحقيقية لا تبدأ من المباني والشوارع فقط، وإنما تبدأ من العقل الذي يسكن الإنسان.
الوعي ليس أن تعرف فقط…
الوعي أن تعرف، وتفهم، وتتصرف على أساس ما عرفت.
وهذا هو الطريق إلى شارع عربي أكثر احترامًا، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على صناعة مستقبل يستحقه أبناؤنا.

تعليقات
إرسال تعليق