الهجر الجميل... حين يكون الابتعاد رحمة

 

كتب /حسام الدين بريطل 

ليس كل ابتعادٍ كراهية، ولا كل مسافةٍ قطيعة. ففي بعض العلاقات يصل الإنسان إلى لحظة يدرك فيها أن القرب، الذي ظنه يومًا طريقًا إلى المودة، أصبح بابًا متكررًا للأذى؛ فيحتار بين أن يبقى في علاقة تستنزفه، أو أن يرحل فيخشى أن يُتهم بالقسوة والقطيعة. وتزداد الحيرة حين يكون الطرف الآخر من الأهل، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتعامل مع صلة الرحم بمنطق العلاقات العابرة؛ هناك ذكريات، ومودة، وواجب، وأشياء كثيرة تجعل الابتعاد مؤلمًا حتى حين يصبح ضروريًا.


من هنا تبدو فكرة الهجر الجميل أكثر عمقًا من مجرد الابتعاد. يقول الله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾؛ فالجمال ليس في الهجر ذاته، وإنما في الطريقة التي يحدث بها. قد يبتعد الإنسان عن شخص يؤذيه، وقد يقلل من الاحتكاك به، وقد يضع حدودًا تمنع تكرار الأذى، لكنه لا يحوّل المسافة إلى عقوبة، ولا الغياب إلى سلاح، ولا الجرح إلى مبرر للتشهير والانتقام. فالهجر الجميل أن تنسحب من موضع يؤلمك دون أن تحمل معك رغبة في إيلام من تركته.


وهنا ينبغي أن نفرّق بين الحدود والقطيعة. فالإنسان ليس مطالبًا بأن يفتح أبواب حياته كلها لمن يتجاوز حدوده، كما أن وضع مسافة آمنة لا يعني بالضرورة إسقاط الاحترام أو قطع كل صلة. ويزداد هذا المعنى دقة حين يتعلق الأمر بالوالدين، إذ لا ينبغي أن يتحول الألم إلى مبرر للعقوق، كما لا ينبغي أن تتحول صلة الرحم إلى ذريعة لقبول الأذى بلا حدود. وقد جمع القرآن بين عدم الطاعة في الباطل واستمرار الصحبة بالمعروف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾؛ وكأن الإنسان يتعلم أن الاختلاف لا يلغي الأخلاق، وأن حماية النفس لا تستوجب الإساءة إلى الآخرين.


لكن الحكمة لا تكون في الهجر عند أول خلاف، ولا في البقاء داخل كل علاقة مهما كان ثمنها. فهناك خلافات يصلحها الحوار، وأخطاء يصلحها الاعتذار، وسوء فهم يحتاج إلى قليل من الصبر، وهناك أذى متكرر لا يزيده القرب إلا عمقًا. والناضج ليس من يقطع سريعًا، ولا من يتحمل بلا نهاية، وإنما من يعرف متى يكون بقاؤه محاولة للإصلاح، ومتى يصبح ابتعاده ضرورة لحفظ ما تبقى من سلامه.


والأصعب من كل ذلك أن تبتعد عن شخص ما زلت تحبه. فالكراهية تجعل الرحيل سهلًا، أما المحبة فتجعل المسافة مؤلمة؛ لأنك لا تبتعد لأن الآخر لم يعد يعني لك شيئًا، وإنما لأن ما يعنيه لك لم يعد كافيًا لاحتمال الأذى. وهنا يفهم الإنسان أن التسامح لا يعني دائمًا استعادة القرب القديم، وأن مسامحة شخص لا تعني منحه القدرة نفسها على الوصول إليك وإيذائك من جديد. يمكن أن تعفو، وأن تتمنى الخير، وأن تحفظ الذكريات الجميلة، وفي الوقت نفسه تختار مسافة تحفظ بها نفسك.


والهجر الجميل يختلف تمامًا عن الهجر الانتقامي. فالذي ينتقم يبتعد لكي يُشعر الآخر بخسارته، وينتظر ندمه، ويراقب أثر غيابه، وربما يروي حكايته لكل من حوله حتى يثبت أنه المظلوم. أما من يهجر هجرًا جميلًا، فلا يحتاج إلى كل ذلك؛ يكفيه أن يعرف سبب ابتعاده، وأن يحفظ ما اؤتمن عليه من أسرار، وألا يجعل خصومته مادة للمجالس، وألا يسمح لجراحه بأن تعيد تشكيل أخلاقه. إنه لا يبحث عن انتصار على الآخر، بل عن سلام مع نفسه.


ولذلك، فإن بعض المسافات قد تكون أرحم من قربٍ يقتل المودة شيئًا فشيئًا. قد يكون الابتعاد أحيانًا هو الطريقة الوحيدة حتى لا تتحول المحبة إلى كراهية، وحتى لا يصبح كل لقاء معركة جديدة. وما أجمل أن يخرج الإنسان من علاقة آلمته دون أن يحمل منها أسوأ ما فيها؛ فلا يرد القسوة بقسوة، ولا الفضيحة بفضيحة، ولا الجرح بجرح. فالقوة الحقيقية ليست أن تجعل من آذاك يتذوق الألم نفسه، وإنما أن تمنع ألمه من أن يتحول إلى شيء يسكن في أخلاقك.


في النهاية، ليست كل الأبواب التي نبتعد عنها أبوابًا نكرهها، وليست كل المسافات إعلانًا لنهاية المحبة. أحيانًا نبتعد لأننا تعبنا من محاولة إصلاح ما لا نستطيع إصلاحه، وأحيانًا نخفف حضورنا لأننا أدركنا أن السلام الذي نبحث عنه لن نجده في القرب نفسه. وفي مثل هذه الحالات، قد يكون أجمل ما نفعله أن نأخذ مسافتنا بهدوء، ونحفظ كرامتنا دون أن نهدر كرامة غيرنا، ونترك ما عجزنا عن إصلاحه لله، مع إبقاء أبواب المعروف مفتوحة بالقدر الذي لا يعيد الأذى إلى حياتنا.


فالهجر الجميل ليس أن تكره من آذاك، وإنما أن تعرف كيف تبتعد عنه دون أن تصبح مثله؛ أن تنقذ قلبك من الأذى، دون أن تسمح للأذى بأن ينتصر عليك فيغيّر قلبك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية