كيف نستفيد من التجربة الصينية؟

 كتب /النائب أيمن عدلى 

لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي يومي 1 و2 سبتمبر 2026 مجرد زيارة دولة أو مناسبة للاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات المصرية الصينية، وإنما جاءت لتؤكد أن الشراكة بين القاهرة وبكين تدخل مرحلة جديدة، عنوانها التعاون من أجل التنمية وصناعة المستقبل.

لكن السؤال الأهم بعد نجاح الزيارة ليس: ماذا حصلنا من الصين؟ وإنما: ماذا يمكن أن نتعلم من التجربة الصينية؟ وكيف نحول هذه الشراكة إلى قوة دفع حقيقية للتقدم المصري؟

الإجابة ببساطة: لا نريد أن نقلد الصين.. نريد أن نتعلم كيف تقدمت الصين.

فالصين لم تصبح قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى بالصدفة، وإنما بنت تجربتها على التخطيط طويل المدى، والاستثمار في الإنسان، ودعم الصناعة، والاهتمام بالتعليم والبحث العلمي، وتحويل التكنولوجيا إلى إنتاج، ثم تحويل الإنتاج إلى صادرات ومنافسة عالمية.

وهذا هو الدرس الذي تحتاجه مصر اليوم.

لدينا مقومات هائلة: موقع جغرافي فريد، وقناة السويس، وسوق كبيرة، وقوة بشرية، وبنية أساسية متطورة، وموانئ ومناطق صناعية، وعلاقات تجارية واسعة مع الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية. المطلوب هو أن نحول هذه المقومات إلى إنتاج حقيقي وقيمة مضافة وصادرات وفرص عمل.

وتأتي الصناعة في مقدمة الأولويات. لا نريد أن تكون مصر مجرد سوق للمنتجات الصينية، بل شريكًا في الإنتاج والتصنيع والتطوير والتصدير. نحتاج إلى شراكات حقيقية لنقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتدريب العمالة والمهندسين، وزيادة المكون المحلي، حتى يصبح كل استثمار جديد مدرسة للخبرة ومصدرًا لزيادة القدرات المصرية.

ويبقى الإنسان المصري هو كلمة السر.

لا يمكن تحقيق نهضة صناعية وتكنولوجية من دون تعليم حديث وتدريب حقيقي. نحتاج إلى مهندس قادر على الابتكار، وفني يمتلك المهارة، وشاب يجيد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبرمجة والروبوتات. وكل مصنع جديد يجب أن يصاحبه تدريب، وكل مشروع تكنولوجي يجب أن يفتح بابًا أمام الشباب للتعلم والعمل والإبداع.

كما يجب أن نتجه بقوة نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات المستقبلية، وأن نستفيد من الخبرة الصينية في هذه المجالات لبناء قدرات مصرية مستقلة وقادرة على المنافسة.

والهدف النهائي يجب أن يكون واضحًا: الانتقال من مستهلك إلى منتج، ومن منتج إلى مُصدّر.

مصر قادرة على أن تجعل من موقعها وبنيتها الأساسية ومنطقة قناة السويس قاعدة صناعية وتصديرية تخدم أفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

لكن هناك درسًا آخر لا يقل أهمية عن الصناعة والتكنولوجيا: ثقافة العمل.

التقدم لا يصنعه مشروع واحد، ولا يتحقق بقرار منفرد. إنه نتيجة احترام الوقت، والانضباط، والإتقان، وتقدير العلم، واحترام العمل، وتشجيع الابتكار، ومحاسبة المقصر ومكافأة المجتهد.

لقد قطعت مصر خلال السنوات الماضية خطوات كبيرة في بناء البنية الأساسية والمشروعات القومية. والمرحلة المقبلة تتطلب تعظيم الاستفادة من هذه القاعدة، والانتقال بقوة إلى الإنتاج والتصنيع والتصدير والتكنولوجيا.

إن زيارة الرئيس شي جين بينج الناجحة إلى مصر يجب ألا تنتهي بانتهاء مراسم الاستقبال وتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ نتائجها الحقيقية بعد مغادرة الضيف.

نحن لا نريد أن نصبح الصين.. نريد أن تصبح مصر أكثر تقدمًا بقوة مصرية، وعقل مصري، وإرادة مصرية، مستفيدين من خبرة الصين وتجربتها.

فمصر التي صنعت الحضارة منذ آلاف السنين قادرة على أن تصنع اقتصاد المستقبل.

من القاهرة إلى بكين.. شراكة استراتيجية، وخبرة نتعلم منها، وإرادة مصرية تصنع نهضة جديدة وتقدمًا سريعًا ومتكاملًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية