حسن الظن وسوء الظن طريقان يصنعان الحياة
كتبت /تغريد يحيى الطباخي
ليس كل ما نراه حقيقة، وليس كل ما نسمعه يستحق أن نبني عليه أحكامنا. ففي هذه الحياة يقف الإنسان كل يوم أمام خيارين: أن يحسن الظن بالناس فيكسب راحة القلب، أو يسيء الظن بهم فيحمل في صدره همًّا لا ينتهي.
حسن الظن ليس سذاجة، ولا غفلة عن أخطاء الناس، بل هو خُلُق كريم يدل على صفاء النفس ونقاء القلب. هو أن تلتمس العذر قبل اللوم، وأن تفسّر المواقف بأفضل الاحتمالات ما دمت لا تملك يقينًا يخالفها. ومن أحسن الظن بالله، عاش مطمئنًا، يعلم أن ما اختاره الله له خير، وإن خفيت الحكمة عنه.
أما سوء الظن، فهو نارٌ تحرق صاحبها قبل غيره. يبدأ بفكرة صغيرة، ثم يتحول إلى شك، ثم إلى اتهام، ثم إلى قطيعة وربما ظلم. كم من بيتٍ تهدّم بسبب كلمة فُسّرت بغير معناها، وكم من صديقٍ خسر صديقه لأن الظنون سبقت الحقيقة، وكم من قلبٍ امتلأ بالحزن لأنه صدّق الوهم ولم يبحث عن العذر.
لقد علّمنا الإسلام أن نصون ألسنتنا وقلوبنا، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
فلم ينهنا عن التفكير، وإنما نهانا عن الظنون التي لا تقوم على دليل، والتي تسيء إلى الناس وتجرح كرامتهم.
إن حسن الظن يزرع المحبة، ويقوّي الثقة، ويجعل العلاقات أكثر دفئًا واستقرارًا. أما سوء الظن فينشر الخوف، ويقتل المودة، ويجعل الإنسان يعيش في صراع دائم مع أوهامه.
ومع ذلك، فإن حسن الظن لا يعني أن نغفل عن الحذر أو نتجاهل التجارب. فالمؤمن يجمع بين طيبة القلب وحكمة العقل؛ يحسن الظن حتى يظهر له ما يوجب غير ذلك، فإذا ظهرت الحقيقة تعامل معها بعدل، لا باندفاع ولا بظلم.
فلنجعل قلوبنا واسعة، وأحكامنا عادلة، وألسنتنا بعيدة عن الاتهام. ولنمنح الآخرين فرصةً ليشرحوا مواقفهم، فربما كان لهم عذر لا نعلمه، وربما كانت الحقيقة أجمل مما رسمته ظنوننا.
وفي النهاية، تذكّر دائمًا أن أجمل القلوب هي التي تحمل حسن الظن، وأقسى القلوب هي التي لا ترى في الناس إلا العيوب. فمن عاش يلتمس الأعذار، عاش محبوبًا بين الناس، ومن عاش أسير الظنون، بقي سجينًا لهمومه.
اللهم طهّر قلوبنا من سوء الظن، واملأها بحسن الظن بك وبعبادك، واجعلنا ممن يعاملون الناس بالعدل والرحمة، ويذكرونهم بالخير، ويتركون سرائرهم لعلام الغيوب.

تعليقات
إرسال تعليق