جريمة في حق أكسجين الوطن عندما تُقطع الأشجار، يُدفع الثمن من صحة المصريين واقتصادهم
كتبت /د. نورا الجابري
مدرس الاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية
شهدت العديد من المحافظات المصرية في الآونة الأخيرة عمليات إزالة وتجريف واسعة النطاق للمساحات الخضراء والأشجار المعمرة. هذا الإجراء أثار موجة غضب شعبية واسعة نظرًا لتأثيراته المباشرة على جودة الحياة والبيئة.
أهمية الأشجار والفوائد المناخية في ظل ارتفاع التلوث :
تلعب الأشجار في المدن المصرية دورًا حيويًا لا يمكن الاستغناء عنه، وتتضاعف أهميتها مع ارتفاع مستويات العوادم والتلوث:
امتصاص الملوثات: تعمل الأوراق كفلاتر طبيعية تحتجز الغبار والمواد العالقة وتتمتص غازات ثاني أكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين.
خفض درجات الحرارة: تساهم الأشجار في الحد من ظاهرة "الجزر الحرارية الموجودة في المدن الخرسانية، حيث تخفض درجة الحرارة المحيطة بمقدار يتراوح بين 2 إلى 8 درجات مئوية.
تحسين الصحة النفسية والجسدية: تزيد المساحات الخضراء من المساحات المتاحة للتنفس، وتقلل من معدلات أمراض الجهاز التنفسي والأزمات الصدرية.
الأثر الاقتصادي السلبي وتراجع التنمية المستدامة :
إزالة الغطاء النباتي لا تؤثر على الشكل الجمالي فحسب، بل تحمل تبعات اقتصادية وخيمة:
زيادة استهلاك الطاقة: ارتفاع درجات الحرارة داخل المباني يؤدي إلى الاعتماد المفرط على أجهزة التكييف، مما يرفع الفاتورة الوطنية لاستهلاك الكهرباء.
ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية: تزايد معدلات التلوث يرفع من الإنفاق الحكومي والفردي على علاج الأمراض الناجمة عن التلوث البيئي.
الإضرار برؤية مصر 2030: تتطلب التنمية المستدامة التوازن بين النمو العمراني والحفاظ على البيئة، وتجريد المدن من الأشجار يعوق تحقيق هذا التوازن.
الدوافع الفعليه ومشروعية الإجراء : المبررة لما يحدث!
تتعدد الأسباب المعلنة والضمنية وراء قطع الأشجار، وتتراوح بين توسعة الطرق، وإنشاء المحاور المرورية، والتوسع في المشروعات الاستثمارية، أو بدعوى التطوير العمراني.
هل يحق للمسؤول القيام بذلك؟
تنص التشريعات واللوائح على أن الممتلكات العامة والمساحات الخضراء هي ملك للمجتمع، ولا يحق لأي جهة إزالتها بشكل عشوائي دون إجراء دراسات تقييم الأثر البيئي (EIA). إزالة الأشجار المعمرة دون بدائل فورية ومكافئة يُعد تعديًا على الحقوق البيئية للمواطنين.
مؤشر الأداء البيئي العالمي (EPI) وترتيب مصر :
تؤثر عمليات الإزالة الجائرة سلبيًا على تقييم مصر في مؤشر الأداء البيئي العالمي (EPI) الصادر عن جامعة ييل. يعتمد المؤشر بشكل أساسي على محاور "حيوية النظام البيئي" و"التنوع البيولوجي" و"جودة الهواء". وتراجع المساحات الخضراء يضعف التقييم الدولي لمصر ويعكس صورة تتعارض مع الجهود المبذولة في ملف التغير المناخي.
الحلول التعويضية الواجب اتباعها:
الجهة
الحلول والخطوات التعويضية
الدولة والجهات الحكومية
• إيقاف عمليات القطع العشوائي وفحص البدائل الهندسية لحماية الأشجار المعمرة.
• تطبيق مبدأ "شجرة مقابل شجرة" بنسبة تعويضية (زراعة 5-10 أشجار جديدة مقابل كل شجرة تُزال ضرورةً).
• سن قوانين صارمة تمنع تجريف حدائق الأحياء والميانات العامة.
المواطن والمجتمع المدني
• إطلاق مبادرات زراعة الأسطح والشوارع الجانبية بالأشجار الملائمة للبيئة المحلية.
• التوعية بأهمية الغطاء النباتي والإبلاغ عن المخالفات والتعديات البيئية.
• المشاركة الفعالة في الحملات الأهلية للتشجير والشركات المجتمعية.
ختاماً: الحق القانوني والتشريعي في البيئة النظيفة، حق لكل مواطن.
إن قطع الأشجار بشكل غير مدروس لا يجد له سندًا قانونيًا أو أخلاقيًا؛ فالقوانين المحلية — وعلى رأسها قانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته — تفرض حماية الرقعة الخضراء وتجرم التعدي على الممتلكات البيئية العامة. كما أن التشريعات الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات الأقلمة المناخية، تؤكد أن الحصول على بيئة آمنة ونظيفة وصحية هو حق أساسي من حقوق الإنسان لا يجوز الانتقاص منه تحت أي مسمى من مسميات التطوير. الحفاظ على شجرة واحدة هو حفاظ على حق المواطن في الحياة والصحة والتنفس.

تعليقات
إرسال تعليق