بنية العقل العربي في اطار تاريخي معاصر
كتبت الدكتورة/ رانيه يوسف راغب صافي
مما لاشك فيه أن العلم يلعب دوراً هاماً في تشكيل بنية العقل بغض النظر عن المراحل التاريخية التي مر بها، وموطنه،بخلاف اعتبار العلم الاجتماعي يعد مصدراً لمشكلات علي الصعيد الانساني من حيث تحديد موضعه وما ينتج عنه من تحديات وتجسيدات في شكل تطبيقات عملية، وهنا تطرأ اشكالية دور العلم في تشكيل بنية العقل العربي، مع الوضع في الاعتبار الي التنويه أن العلم الطبيعي لا ينفصل عن العلم الاجتماعي، وكذلك الذهنية العربية هي نتاج تاريخي تراكمي، ذات مصادر متعددة، ونتناول فيما يلي الاطار التاريخي المعاصر لبنية العقل العربي، ورسم صورة العلم لدي الانسان العربي، ،وأخيراً مناقشة ضرورة تحول بنية العقل العربي ليتواءم مع تفعيل العلم الاجتماعي.
التطور التاريخي المعاصر لبنية العقل العربي.
طبقاً" للذهنية يصنف العقل الانساني "غربياً" و"آسيوياً" و"أفريقياً" و"يابانياً"و"عربياً"،فمحاولة الاقتراب من الذهنية وتاريخها،ومصادرها ،وخصائصها فهي محاولة مشروعة سواء أكانت ايجابية أو سلبية.
ونتناول فيما يلي بعض ملامح العقل العربي:
أولاً: صورة الذات ورؤية الآخريين (الحط من القدر واعلاء الشأن):
تشترك رؤيتنا لأنفسنا مع رؤيتنا للآخر لما للأخيرة من تأثير علي تشكيل صورتنا علي أنفسنا .
وعند تحليل تصور الانسان العربي لذاته نجد أن رؤيته تتميز بالازدواجية، فهو شديد الفخر بأصوله وتاريخه ويعتمد علي أصوله ودينه وقيمه مستخدماً في التعبير عن ذلك لغته وتاريخه و.....،ويقوم من خلال المقارنة بغيره بالتقليل من غيره والتفاخر بنفسه لما رآه من نظرة الأخرين فيه، وهنا يحط الانسان من نفسه ويعلي من شأن الآخر، ومافيه من تناقض وما يمر به من مشاعر الاحباط وفقدان الثقة بالنفس وتدني التنافس مع الغير وقلة العمل،والتبعية للغير.
ثانياً: الاستغراق في الماضي:
بناء علي بنية الحضارة تختلف نظرة الأمم للماضي والحاضر، ولعلاقتها بالحضارات الأخري، والمؤثرات الداخلية والخارجية التي تعرضت لها.
وقد حرمت الأجيال الجديدة من التهيؤ للمستقبل نظراً لأن العرب يقدسون تاريخهم ، وقد ساعدت البنية العقائدية الراسخة، والعادات والتقاليد وتاريخ حافل بالبطولات للعرب الحضارة العربية في رسم الأحداث وتكوين نسق عريض من حضارة الماضي يدعو للفخر وذكر مناسبات الأجداد، والتعبير عن خصوصية المجتمع.
وقد أدي تقديس الماضي الي انغلاق بنية المجتمع العربي علي نفسها باعتبار أنحضار السلف هي السند، وتشكل "المصد الواقي" لكل عناصر الحضارة الوافدة من الخارج وهنا تبدو الاشكالية في استقبال حضارات غريبة علي المجتمع العربي في ظل انغلاق ابناء المجتمع العربي باعتبار أن ما بخارجهم أسوء مما داخلهم، مما أنشأ بنية فكرية رجعية تستند الي الماضي،وان تجاوته سرعان ماتعود اليه مرة أخري.
ثالثاً: طغيان الذات:
تتكون الشخصية من مكونات شخصية وأخري موضوعية،تتفاعل معاً لتنتج نمطاً عاماً لتلك الشخصية،ويرتبط تقدم ورقي الأمم بتحقق التوازن بين الذاتية وعدم طغيانها،فلا تكون محور المجتمع، ولا يتم اهمال المعايير الموضوعية، حتي تبرز وتدعم ذاتية الفرد .
ويتخذ الانسان العربي في فكره وسلوكه عوامل ذاتية تمثل في ظاهرة " جلد الذات" والتي تبدو في مواقف الفشل الذريع الذي يكتشف الانسان فيه أن فساده واهماله هي السبب لما وصل له،ومن جلد الذات الي تقديسها لحد العبادة ،مما يفسر أن الشخصية العربية تملك تقديس للفرد الي حد افساده بعد توهمه أنه تحول الي اله صغير! ويعيب هذه الظاهرة غياب الموضوعية من تقرير مدي صلاحية مشروع الي منح مسؤول لوظيفة عامة،وكذلك تحديد هدف قومي وغيرها من الأهداف العامة،فالسمات الشخصية للفرد العربي هي نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية،وامكانيات الفرد لتشكيل ظروفه الاجتماعية والحضارية والاقتصادية التي تحيط به.
رابعاً شيوع ثقافة الخرافة:
من المتوقع شيوع أنماط من التفكير الغيبي المسيطرة علي مجالات السلوك العامة بالمجتمع،وذلك في ظل افتقار الرؤية العملية الموضوعية الناقدة،والذي ينأي عن التفكير المجرد،والمرتبط بنسق من الخرافات سواء الشائعة بين البعض من الطبقات الاجتماعية، أو الخرافات الشائعة في المجتمع ككل، فالمعتقد الخرافي ينشأ وينتشر من خلال بنية اجتماعية ثقافية،داعمة للتفكير اللاعقلاني،وتخلق الخوف من الأشياء الخفية أو المجهولة لدي البعض من الأفراد،ويطلق عليه البعض مصطلح" القوة الخارقة غير الطبيعية".
هذا أحياناً لوجود أسباب بنائية –ثقافية مدعومة بعوامل خارجية أحاطت الي شيوع "ثقافة الخرافة"اتسع نطاق الفكر الخرافي وانتشر في مجتمعاتنا العربية، وهي ثقافة في ذواتنا الفردية نابعة من أسباب راسخة في التنشئة الاجتماعية للفرد العربي، وهذه الثقافة الخرافية تسير في طريق ممهد بين الشرائح الاجتماعية المتدنية من حيث مستويات التعليم، والوعي، والانفتاح علي العالم، وأحيانا ً أخري تشيع بين الأفراد ذوات المستويات العالية ثقافياً، وتعليمياً.
ونتتشر ثقافة الخرافة بعد اندماجها وتنتقل وتؤثرعلي جميع طوائف الحياة الاجتماعية،وكثيراً ما يلجأ الانسان العربي الي البحث عن تفسيرات "خرافي" تساعده علي الاجابة حين يعجز عن ايجاد اجابات مقنعة.
صورة العلم الاجتماعي في نسيج البنية المجتمعية وذلك في اطار من التحليل النقدي.
ونتناول فيما يلي الصور التي كونها الانسان العربي عن العلم الاجتماعي،والمعايير والمحازير التي وضعت له .
فالعلم هو مجموعة من المعارف المنظمة داخل أطر منهجية محددة
والعنصر الأول: تراثية العلم عند العرب يمكن الاستناد عليه ويري أحياناً توظيف تراث متوافر في الثقافة ،فهناك ابن خلدون وابن سينا من أكبر العلماء عند العرب ،فأول من تناول علم الاجتماعي "ابن خلدون"والذي أطلق عليه علم العمران البشري "وكان له السبق في علم الاجتماع "ولكن انقطع الحديث عن هذه التراثية الي أن أكملها وطورها الغرب فيما بعد،فهذه التراثية لم توظف، فبذلك يكون حدثت القطيعة بين مؤسسي العلوم والتطور التالي بعدها،فالغرب يعلم ما أسسه ابن خلدون ولكن أكمل وتناول ما يكمله من علم .
العنصر التاني ازدواجية الفكر والسلوك تجاه العلم:
وله جانبان أحدهما نظري بالايمان بلأفكار والجانب الآخر ممارسة هذا العلم ،بمعني ممارسة العلم الاجتماعي كسلوك تتفق مع العلم أم أن هناك تناقض بين أفكارنا وممارستنا السلوكية،وتقرب الفجوة بين الفكرة والسلوك وتدرب الأفراد علي ذلك.
العنصر الثالث انتاج العلم واستهلاكه:
تتميز ثقافتنا العربية باستهلاك منجزات العلم دون انتاجها،ويرجع ذلك الي موقف الانسان العربي من المتغيرات المحيطة به عموماً،ومن أهمها العلم،والمعتمد علي ثلاث ركائز أما الأولي فهي"السياق الاجتماعي" وتشمل النظام السياسي والهيكل الاقتصادي،و البنية الاجتماعية،وأما الثانيه فهي "جماعة العلم" والمقصود بها الباحثين في شتي نواحي العلم وهم من يمارسون العلم ويطورونه،وأما الثالثة فهي " بنية الوعي" وتشمل ادراك كافة الشرائح الاجتماعية في اطار سياسي بما يحيطه من متغيرات،وماينتج عنه من ردود أفعال ايجابية وسلبية لمنظومة العلم في المجتمع.
ويقصد بالانتاج للعلم وجود أفكار تحولت الي انتاج العلم كانتاج المنتجات من نظرية وابتكار يتم تداولها واستخدامه وماهو الا انتاج للعلم ،ولكن مستهلكي العلم أعلي من انتاج العلم وليس فقط يعتمد انتاج العلم ،فالمفترض أن أن تعلو درجة وعي الفرد وعياً كبيراً فيما يفكر فيه وانتاج العلم واستهلاكه.
العنصر الرابع: مدي تعايش الانسان العربي لثقافة العلم.
ففي حالة افتراض أن الفرد وليس منتجا،ًوحيث أنه لكل جانب ثقافة، وقد وضع عالم الانثربيولوجي"مانولوفيسكي" تعريفاً شاملاً للثقافة وهي ذلك المعقد الكل من المركب، والكون من العادات والتقاليد الأعراف، والأديان، واللغات، والفنون وكل ماله معني في المجتمع،فقد شاع مصطلح الثقافة حالياً،والتساؤل الآن هل الإنسان يعيش ثقافة العلم وماالأدلة علي ذلك ليتم الاعتماد علي المعايير ليعيش ثقافة العلم؟
وللاجابة علي هذا التساؤل ..نجد مراكز التعليم والاعلام والمراكز البحثية جميعهم تدرب الانسان علي الانتماء الي ثقافة العلم ،فهي يجب أن تشيع في المجتمع حيث أنها ماتؤسس العقلية النقدية،.ولكن للأسف ثقافة العلم مازالت بعيدة عن ممارسة الفرد العربي.
ويبقي هنا التفرقة بين العلم الطبيعي والعلم الاجتماعي،فالعلم الطبيعي مثل علم الكيمياء، والفيزياء،والأحياء ،والفلك هو المتعامل مع المادة، وهو العلم الذي يتعامل مع الانسان ،فليس من الضروري أن يكون الانسان عالماً يشتغل بالعلم حتي يتاح له الاندماج في ثقافة علمية مجتمعية شاملة،فيقصد بثقافة العلم المكونات المادية واللامادية عن بنية العلم في المجتمع،وانما يتداول أفراد المجتمع عناصر هذه المكونات في شكل موضوعي ملتزم مع التفاعل الايجابي مع المتغيرات المجتمعية بهدف تقدم المجتمع وتطوير العلم،وتتشكل منظومة متكاملة واضعة في اعتبارها المجتمع العربي من نظام سياسي وما يهدف من انتشار العلم متضمناً ذلك قيم العلم لدي الأفراد داخل المجتمع وليس فقط مجرد توافر الشكل المؤسسي للعلم كالمدارس والجامعات والمراكز البحثية وغيره،بحيث لا تعتمد هذه المؤسسات العلمية فقط علي تلقين العلم ،وانما يجب أن يحدث تكريس فعلي للعلم ويشعر أفراد المجتمع العربي بالمردود الفعلي لصنوف العلم التي يتلقونها،ويجلب أن تعمل بجانب الأنظمة السياسية أنظمة تعليمية تكسب القيم العلمية للنشئ مما يتيح الابتكار والابداع،وذلك في وجود مصادر اعلامية حرة بعيدة تماماً عن الانتماءات السياسية وأهدافها،وانما اشاعة قيم الديمقراطية والحرية علي المجتمع بأسره،وتتم هذه المنظومة في ظل سياسة تحكمها لتأكيد العقلية النقدية المصاحبة لثقافة العلم.

تعليقات
إرسال تعليق