سلسلة «شهادة تكريم» الأستاذة ناهد محمد منير «الحجة أم محمد»... أيقونة العطاء التربوي والإنساني
كتب /المهندس أحمد مختار
نقول شكرًا لمن يستحق... وهم بيننا
في كل قرية أشخاص يتركون أثرًا في حياة من حولهم، لا بما حصلوا عليه من مناصب، وإنما بما قدموه من علم وتربية ومسؤولية وعطاء.
ومن هنا جاءت فكرة «سلسلة شهادة تكريم»؛ لنكتب عن أشخاص ما زالوا بيننا، ونقول لهم كلمة تقدير ووفاء وهم قادرون على سماعها، بدلًا من أن ننتظر رحيلهم حتى نتذكر ما قدموه.
واليوم نقدم أولى شهاداتنا إلى الأستاذة ناهد محمد منير، الحجة أم محمد، إحدى الشخصيات المؤثرة في الحركة التعليمية والعمل المجتمعي، والتي تمتد رحلتها من التربية والتعليم إلى العطاء الإنساني.
من أسرة عريقة في ملوي
ولدت الأستاذة ناهد محمد منير في مدينة ملوي بمحافظة المنيا، ونشأت في أسرة عريقة لها حضورها في المجتمع. فقد كان جدها مديرًا لمنطقة الأزهر الشريف، بينما كان والدها يعمل مسؤولًا بمديرية الأمن، كما أن لها ثلاث أخوات من رجال القانون.
وفي هذه البيئة التي جمعت بين التعليم والانضباط والمسؤولية، تشكلت شخصيتها، وحملت معها قيم الالتزام واحترام العمل والإحساس بالمسؤولية.
من معلمة إلى القيادة
بدأت الأستاذة ناهد رحلتها في ميدان التربية والتعليم بكل شغف وإخلاص. بدأت معلمة، ثم ارتقت إلى معلمة أولى بفضل تميزها وكفاءتها، وتولت مسؤوليات إدارية أكبر حتى وصلت إلى إدارة المدرسة.
وفي عام 2001 تولت منصب مديرة مدرسة، واستمرت في موقعها حتى خروجها إلى المعاش عام 2014.
وخلال سنوات عملها، عُرفت بالتخطيط والمتابعة وحل المشكلات، مع الحرص على تطبيق القانون بحكمة. كما امتلكت مهارات وتقنيات تعليمية، واهتمت بوسائل التعليم الحديثة، بما ساعدها على قيادة العمل بكفاءة وجدارة.
شهادتي الشخصية... «الأبلة ناهد» كانت أمًّا لنا
وللأستاذة ناهد مكان خاص في ذاكرتي لا أستطيع أن أكتب عنها دون أن أتوقف عنده.
فبالنسبة لي ولأبناء جيلي، لم تكن مجرد معلمة أو مديرة مدرسة؛ كانت أمًّا لنا.
في طفولتي درست لنا «الأبلة ناهد» في المرحلة الابتدائية، وكما سجلت في روايتي «خواطر مغترب»، كانت حازمة وقوية الشخصية، لكنها كانت حريصة على تفوقنا.
وفي فصل المتفوقين كان نصيبي أن أكمل معها، حتى وصفتها في الرواية بأنها «الأم الثالثة بعد أمي وأستاذة سماح».
وأذكر كيف كانت تشجعني على رفع صوتي والتعبير عن نفسي، وتدفعني إلى الثقة بالنفس وعدم الخجل. وربما لم أكن أدرك وقتها قيمة ما كانت تفعله، لكنني أدركه اليوم بعد مرور كل هذه السنوات.
كانت تصنع شخصياتنا قبل أن تدرس لنا المناهج.
ثم دارت الأيام، وأكرمها الله فأصبحت مديرة مدرستنا لسنوات طويلة.
ولهذا فإن شهادتي عنها ليست شهادة عابرة؛ إنها شهادة تلميذ سابق يتذكر معلمته، ثم يراها بعد سنوات قائدة للمدرسة التي تربى فيها.
شكرًا يا أبلة ناهد... كنتِ معلمة، لكنك كنتِ لنا أمًّا.
المحطة الأصعب... حين فقدت زوجها
لكن قصة الأستاذة ناهد لم تكن قصة نجاح مهني فقط.
ففي منتصف الطريق، تلقت الضربة الأقسى برحيل زوجها، الذي كان يعمل في التربية والتعليم، وكان مشهودًا له بحسن الخلق.
ترك رحيله مسؤولية ثقيلة تمثلت في خمسة أبناء صغار كانوا في مراحل مختلفة من التعليم.
كانت لحظة قاسية، لكن الراية لم تسقط. استعانت بالله، وجمعت شتات قلبها، لتكون الأم والأب في آن واحد.
كان عليها أن ترعى أبناءها وتتابع تعليمهم، وفي الوقت نفسه تواصل مسؤوليتها المهنية. واستطاعت أن توازن بين إدارة المدرسة ورعاية البيت، حتى أثمرت سنوات التعب عن أبناء ناجحين أصبحوا سندًا لها ومصدر فخر.
وهنا يصبح النجاح أكبر من مجرد منصب أو سنوات خدمة؛ إنه قدرة على الاستمرار والعطاء مهما تغيرت الظروف.
المعاش لم يكن نهاية العطاء
في عام 2014 انتهت رحلتها الرسمية بالتقاعد، لكن العطاء لم يتوقف.
امتد عطاء الحجة أم محمد إلى المجال الخيري والإنساني، فاستمرت في مساعدة المحتاجين والفقراء، والمساهمة في فك كرب الغارمات وسداد ديونهن، ومساعدة الشباب والفتيات المقبلين على الزواج من غير القادرين.
وهنا تكتمل الصورة:
معلمة، ومديرة، وأم، وإنسانة جعلت الخير جزءًا من حياتها.
لماذا «شهادة تكريم»؟
لأننا نؤمن أن الإنسان يستحق أن يسمع كلمة الشكر وهو بيننا.
في «أعلام من قريتنا» نكتب عن الذين رحلوا عنا، ونحفظ سيرتهم وأثرهم للأجيال.
أما «شهادة تكريم» فهي للأحياء الذين قدموا شيئًا يستحق التقدير.
إنها ليست جائزة رسمية، وإنما شهادة وفاء وتقدير من القلب، نقول من خلالها:
نحن نرى ما قدمت... ولم ننسَ.
شهادتنا للأستاذة ناهد محمد منير
الأستاذة ناهد محمد منير... الحجة أم محمد.
هذه شهادة في حق معلمة آمنت برسالتها، ومديرة قادت عملها بالحكمة والقانون، وأم تحملت مسؤولية خمسة أبناء بعد رحيل زوجها، وإنسانة لم يتوقف عطاؤها بانتهاء سنوات العمل الرسمي.
شهادة في امرأة جمعت بين النجاح المهني والمسؤولية الأسرية والعطاء الإنساني.
وشهادتي الشخصية لها اليوم:
شكرًا يا أبلة ناهد.
كنتِ معلمة، لكنك كنتِ لنا أمًّا.
وما زالت ذكراك في وجداننا، لا باعتبارك مديرة مدرسة فقط، وإنما باعتبارك واحدة من الوجوه التي صنعت جزءًا من طفولتنا وتركت أثرًا في حياتنا.
كلمة شكر
ولا يفوتني أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ محمد عادل، نجل الأستاذة ناهد محمد منير «الحجة أم محمد»، على تعاونه الكريم، وإمدادنا بالسيرة الذاتية والمعلومات الخاصة بمسيرة والدته، وهو ما ساعدنا في إعداد هذه الشهادة وتوثيق جوانب مهمة من رحلتها المهنية والإنسانية.
فله منا كل الشكر والتقدير، وبارك الله فيه وفي إخوته، وحفظ لهم والدتهم، وأدام عليها الصحة والعافية.
كلمة من القلب
الأستاذة ناهد... الحجة أم محمد...
نحن نرى ما قدمتِ، ولم ننسَ سنوات التعليم، ولا صبر الأم، ولا تحمل المسؤولية، ولا أبواب الخير التي واصلتِ فتحها للناس.
لذلك نقدم لكِ اليوم:
شهادة تكريم ووفاء
تقديرًا لمسيرتك في التربية والتعليم، واعتزازًا بدورك في بناء الأجيال، ووفاءً لصبرك وتحملك مسؤولية أسرتك، وتقديرًا لاستمرار عطائك الإنساني والخيري.
نسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يمنحك الصحة والعافية، وأن يبارك لكِ في أبنائك، وأن يجعل كل ما قدمتِه في ميزان حسناتك.
فالتكريم الحقيقي لا ينبغي أن ينتظر الرحيل.
نقول شكرًا لمن يستحق... وهم بيننا.
وشهادتنا الأولى اليوم للأستاذة ناهد محمد منير «الحجة أم محمد».

تعليقات
إرسال تعليق