لستُ أدري من أنا
كتبت / الإعلامية رانيا جمال علي
والمثير في الأمر أنني لم أعد أخشى هذا السؤال كما كنت أخشاه من قبل.
كنت أظن أن الإنسان يعرف نفسه حين يكبر، وأن السنوات كفيلة بأن تمنحه إجاباتٍ واضحة عن كل شيء. لكنني اكتشفت أن العمر لا يمنحنا دائمًا الإجابات، بل يمنحنا أسئلةً أكثر عمقًا.
أقف أحيانًا أمام المرآة طويلًا، لا لأتأمل ملامحي، وإنما لأبحث خلفها عن تلك المرأة التي ضاعت مني في زحام الأيام.
أين ذهبت تلك التي كانت تضحك من قلبها؟
متى أصبحت تحسب خطواتها قبل أن تخطوها؟
ومتى تعلمت أن تخفي وجعها جيدًا حتى ظن الجميع أنها لا تتألم؟
لستُ أدري...
ربما أنا المرأة التي اعتادت أن تمنح أكثر مما تأخذ، وأن تصمت حين يكون الكلام مؤلمًا، وأن تقول: «أنا بخير»، بينما كان داخلها عالمٌ كامل ينهار في صمت.
وربما أنا تلك التي لم تكن تبحث عن الكثير، وإنما كانت تريد شيئًا بسيطًا جدًا... قلبًا لا يجعلها تشك في مكانتها، ويدًا لا تتركها حين تشتد عليها الحياة.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد.
أحيانًا تمنحنا أشخاصًا نظن أنهم وطن، ثم نكتشف أنهم مجرد محطة. وأحيانًا تأخذ منا أشياء ظننا أننا لن نستطيع العيش من دونها، ثم نستيقظ ذات صباح فنكتشف أننا ما زلنا هنا... وأن القلب، رغم كل شيء، ما زال ينبض.
وهنا بدأت أفهم.
أنا لستُ ما حدث لي.
لستُ خيباتي، ولا انكساراتي، ولا الأبواب التي أُغلقت في وجهي، ولا الأشخاص الذين اختاروا الرحيل.
أنا ما فعلته بعد كل ذلك.
أنا المرأة التي سقطت، ثم بحثت عن نفسها بين حطامها، وجمعت ما تبقى منها، ومضت.
قد لا أعرف إلى أين أمضي، لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
لن أعود إلى الأماكن التي جعلتني أشك في قيمتي، ولن أرتدي قناعًا فقط كي أبقى مقبولة في عيون الآخرين.
لقد تعبت من محاولة أن أكون النسخة التي يحبها الجميع.
أريد أن أكون أنا...
حتى لو لم يفهمني أحد.
حتى لو تغيّرت.
حتى لو أصبحت أكثر صمتًا، أو أكثر حذرًا، أو أقل استعدادًا لمنح قلبي لمن لا يعرف قيمته.
لستُ أدري من أنا حتى الآن...
لكنني أعرف من لم أعد أريد أن أكون.
وهذه، في حد ذاتها، بداية معرفة.
ربما سأظل أبحث عني طويلًا، وربما سأكتشف أنني لم أكن ضائعة أصلًا، وإنما كنت أنمو في الظلام، بعيدًا عن أعين الجميع.
وربما، في يومٍ ما، سأقف أمام المرآة مرة أخرى...
لن أسألها: «من أنا؟»
سأنظر إلى عينيّ فقط، وأبتسم.
لأنني سأكون قد فهمت أخيرًا أن الإنسان لا يجد نفسه في الآخرين...
بل يجدها حين يتوقف عن الهروب منها.

تعليقات
إرسال تعليق