رجل الأقدار.. حين تتحول سيرة القائد إلى قراءة في مسيرة وطن قراءة في سلسلة مقالات اللواء الدكتور سمير فرج حول الكتاب ومسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسى


كتبت /منى منصور السيد

في صفحات التاريخ، هناك شخصيات لا تنتهي حكايتها بانتهاء زمنها، بل تظل حاضرة كلما أعادت الأجيال قراءة الأحداث من زاوية جديدة. ومن بين هذه الشخصيات يبرز «رجل الأقدار»، بما يحمله الكتاب من قراءة لمسيرة شخصية ارتبط اسمها بمحطات مفصلية تركت بصمتها في التاريخ.


وفي هذا المقال، لا نتوقف عند الكتاب بوصفه عملًا سرديًا فحسب، وإنما نقدم قراءة تحليلية لمجموعة من المقالات التي كتبها معالي اللواء سمير فرج عن كتاب «رجل الأقدار»، محاولين الوقوف على أبرز الأفكار والرؤى التي طرحها، وما تكشفه هذه المقالات من زوايا تاريخية واستراتيجية وإنسانية في قراءة شخصية رجل ارتبط اسمه بالأقدار والتحولات الكبرى.


إنها محاولة للاقتراب من التاريخ من خلال قلم عسكري ومفكر، لا يكتفي باستعراض الوقائع، وإنما يسعى إلى تفسير دلالاتها، وربط أحداث الماضي بسياقاتها، وإضاءة ما قد تغفله القراءة العابرة بين سطور التاريخ.


لم يكن كتاب «رجل الأقدار»، الصادر عن الهيئة الوطنية للصحافة، مجرد محاولة لتسجيل السيرة الشخصية للرئيس عبد الفتاح السيسي، بقدر ما جاء بوصفه محاولة لقراءة مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ مصر من خلال مسيرة أحد أبرز الشخصيات التي ارتبطت بها.


ومن خلال سلسلة مقالاته الأسبوعية التي نشرها اللواء الدكتور سمير فرج في صحيفتي «الوفد» و«الأهرام»، قدم للقارئ جانبًا من المادة التي يتناولها الكتاب، مركزًا بصورة خاصة على المسار العسكري للرئيس، منذ بداياته الأولى في المدرسة الثانوية العسكرية، مرورًا بالكلية الحربية ومواقع القيادة الميدانية، ثم العمل في المعلومات والمخابرات الحربية، وصولًا إلى منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، ثم رئاسة الجمهورية.


وتكشف قراءة الحلقات المتتابعة أن الكاتب لا يتعامل مع هذه الرحلة باعتبارها مجموعة من المناصب المتعاقبة، وإنما يبني منها مسارًا تراكميًا يرى فيه أن كل محطة أسهمت في تشكيل الخبرة التي احتاجها صاحبها عندما انتقل إلى مسؤوليات أكبر.


البداية.. حلم صغير ومسار طويل


تبدأ الحكاية، كما يرويها سمير فرج، من مرحلة مبكرة في حياة عبد الفتاح السيسي، عندما اختار الالتحاق بالمدرسة الثانوية العسكرية، ثم الكلية الحربية.


ومنذ هذه البداية يركز السرد على مجموعة من الصفات التي ستظل حاضرة في معظم حلقات السلسلة: الانضباط، التفوق في الدراسة، اللياقة البدنية، الرماية، والاهتمام بالتكتيك العسكري.


ثم تأتي سنوات الخدمة الأولى في وحدات المشاة، حيث لا تقدم السلسلة الضابط الشاب باعتباره شخصية وصلت إلى موقعها اللاحق دفعة واحدة، وإنما باعتباره مر بمراحل متدرجة من المسؤولية، بدأت بقيادة الفصيلة، ثم العمل في الاستطلاع، فالقيادة الميدانية، ثم مواقع أكثر تخصصًا.


وهنا تتشكل الفكرة المركزية في البناء الصحفي للسلسلة: القائد الذي يظهر في قمة الهرم السياسي لم يبدأ من القمة، وإنما مر بمراحل طويلة من الاختبار والتكوين.


التعليم العسكري.. بين الشرق والغرب


من أكثر العناصر حضورًا في مقالات سمير فرج الحديث عن التعليم العسكري.


فالسلسلة تتوقف أمام الدورات والدراسات التي التحق بها السيسي داخل مصر وخارجها، بداية من دورات المشاة في الولايات المتحدة، مرورًا بكلية القادة والأركان المصرية، ثم كلية كامبرلي الملكية في بريطانيا، وصولًا إلى كلية الحرب العليا في الولايات المتحدة.


ويقدم الكاتب هذه التجربة باعتبارها أحد عناصر التكوين العسكري والفكري للشخصية التي يتناولها.


فالدراسة في بيئات عسكرية مختلفة، وفق الرواية التي يقدمها الكتاب، أتاحت له التعرف إلى مدارس متعددة في التفكير العسكري، وهو ما ارتبط لاحقًا بالعمل في التدريب والتخطيط والمعلومات.


ولا تبدو هذه التفاصيل في السلسلة مجرد سرد للمؤهلات، وإنما جزء من محاولة تفسير كيفية انتقال الضابط من الخبرة الميدانية إلى العمل الذي يتطلب قدرة أوسع على قراءة الأوضاع العسكرية والاستراتيجية.


من قيادة الميدان إلى صناعة المعلومات


تأتي مرحلة العمل في المخابرات الحربية وفرع المعلومات باعتبارها واحدة من أهم نقاط التحول في المسيرة التي يرصدها الكتاب.


فبعد سنوات من التعامل المباشر مع الجنود والوحدات والتدريب والعمليات، ينتقل السيسي إلى مجال يعتمد بصورة أكبر على المعلومات والتحليل وإعداد تقديرات الموقف.


وفي هذه المرحلة يتغير نطاق المسؤولية؛ فلم يعد الأمر متعلقًا بوحدة عسكرية محددة، وإنما بصورة أشمل تشمل التطورات الداخلية، والحدود، والاتجاهات الاستراتيجية، والتحولات الإقليمية والدولية.


ومن هنا يمكن فهم الطريقة التي يربط بها الكاتب بين الخبرة العسكرية المباشرة والخبرة المعلوماتية، باعتبارهما مسارين متكاملين في تشكيل الشخصية القيادية.


سيناء.. الملف الحاضر في أكثر من محطة


تحتل سيناء مساحة بارزة في الحلقات المنشورة.


فهي تظهر في سنوات الخدمة الميدانية، ثم تعود بقوة خلال مرحلة العمل في المخابرات الحربية، وفي سياق الحديث عن الحدود الشرقية والأنفاق والتحديات الأمنية التي شهدتها تلك الفترة.


ومن اللافت في السرد أن قضية سيناء لا تُطرح باعتبارها ملفًا أمنيًا فقط، بل ترتبط أيضًا بفكرة الاستقرار والتنمية والسكان، وهو ما يظهر في حديث الكاتب عن الاهتمام بتنمية المناطق البدوية وربط الأمن بالاستقرار المجتمعي.


وبذلك تصبح سيناء في البناء العام للسلسلة أكثر من مجرد موقع جغرافي؛ إنها مساحة تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية والأمنية والاجتماعية والسياسية.


2011.. عندما دخلت السيرة الشخصية قلب التاريخ


تتغير طبيعة السلسلة بوضوح مع الوصول إلى أحداث يناير 2011.


فبعد أن كان السرد يركز بصورة أساسية على التكوين العسكري، تدخل الأحداث السياسية الكبرى لتصبح مسرحًا جديدًا لمسيرة الشخصية التي يتناولها الكتاب.


تظهر هنا المرحلة الانتقالية، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، والانتخابات، والعلاقة مع القوى السياسية، ثم وصول محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية وتعيين عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة.


ومن هذه اللحظة تصبح السيرة الشخصية متشابكة بصورة مباشرة مع التاريخ السياسي المصري.


وهنا تبرز أهمية التعامل مع المادة الواردة في الكتاب بوصفها رواية وشهادة تحتاج إلى وضعها إلى جانب الوثائق والمصادر الأخرى، خصوصًا عندما تتناول أحداثًا سياسية أو أمنية مغلقة، أو تنقل معلومات استخباراتية، أو تتحدث عن اجتماعات ومخططات لم تكن تفاصيلها متاحة للرأي العام في وقتها.


بين الشهادة والتوثيق


من الخصائص المهمة في سلسلة سمير فرج أنه لا يقدم نفسه باعتباره مراقبًا بعيدًا عن الأحداث.


فهو يستند في مواضع متعددة إلى معرفته الشخصية بالسيسي، وإلى ذكرياته عن فترة خدمتهما معًا، كما ينقل شهادات عدد من الشخصيات العسكرية التي عاصرت مراحل مختلفة من المسيرة.


وهنا تكتسب المادة قيمة خاصة بوصفها شهادة من داخل المؤسسة العسكرية.


لكن الشهادة، في الوقت نفسه، تظل زاوية واحدة من زوايا كتابة التاريخ.


ولهذا فإن القراءة الصحفية والتاريخية المتوازنة تقتضي التمييز بين ما يرويه صاحب الشهادة، وبين ما يمكن توثيقه من مصادر مستقلة، وبين التفسير الذي يقدمه الكاتب للأحداث.


وهذا التمييز لا ينتقص من قيمة الشهادة، بل يساعد على فهم طبيعتها وموقعها داخل عملية كتابة التاريخ.


لماذا «رجل الأقدار»؟


يحمل عنوان الكتاب دلالة تتجاوز السيرة الشخصية.


فـ«الأقدار» في البناء السردي الذي تقدمه المقالات تبدو مرتبطة بتتابع الظروف والمحطات التي نقلت الشخصية من مرحلة إلى أخرى.


مدرسة عسكرية، ثم كلية حربية، ثم وحدة مقاتلة، ثم بعثات ودراسات خارجية، ثم مواقع معلوماتية، ثم قيادة جهاز سيادي، ثم وزارة الدفاع، ثم رئاسة الجمهورية.


وبذلك يبدو الكتاب وكأنه يطرح سؤالًا أكبر من سؤال السيرة:


كيف يلتقي تكوين الإنسان مع لحظة تاريخية استثنائية، فيصبح مساره الشخصي جزءًا من مسار الدولة؟


أربعة خطوط ترسم المسيرة


وعند قراءة الحلقات من الأولى حتى الثانية عشرة، يمكن ملاحظة أربعة خطوط رئيسية تتقاطع باستمرار:


الخط الأول: التكوين العسكري

من المدرسة والكلية الحربية إلى القيادة الميدانية والتدريب.


الخط الثاني: التكوين العلمي والمعرفي

من الدراسات العسكرية المصرية إلى الخبرات التعليمية في الولايات المتحدة وبريطانيا.


الخط الثالث: الخبرة المؤسسية

من العمل في الوحدات إلى المعلومات والمخابرات الحربية ومتابعة الملفات الاستراتيجية.


الخط الرابع: الاختبار التاريخي

من أحداث 2011 إلى المرحلة الانتقالية، ثم انتخابات 2012، وما تبعها من تطورات سياسية وأمنية.


وهذه الخطوط مجتمعة تمنح السلسلة بنيتها الأساسية، وتجعلها أقرب إلى محاولة لرسم مسار صناعة القائد داخل المؤسسة العسكرية وفي سياق التحولات التاريخية.


بين الكتاب وقراءة التاريخ


تنبع أهمية «رجل الأقدار» من كونه يقدم رواية عن مرحلة حديثة ما زالت حاضرة في الذاكرة المصرية والعربية.


لكن القيمة التاريخية لأي كتاب يتناول أحداثًا سياسية وعسكرية كبيرة لا تتحدد فقط بما يرويه، وإنما أيضًا بما يفتحه من أسئلة، وما يسمح به من مقارنات بين الروايات والوثائق والشهادات.


ولهذا فإن الكتاب يمكن أن يُقرأ بوصفه مصدرًا من مصادر دراسة المرحلة، إلى جانب مصادر أخرى رسمية وصحفية وشهادات المشاركين والباحثين.


فالتاريخ لا يُكتب من رواية واحدة، وإنما يتشكل من تقاطع الروايات والوثائق والوقائع، ومن قدرة الباحث على التمييز بين الحدث كما وقع، والرواية التي يقدمها صاحبه عنه، والتفسير الذي يأتي بعد ذلك.


من سيرة قائد إلى صورة مرحلة


في النهاية، تكشف سلسلة مقالات اللواء الدكتور سمير فرج أن «رجل الأقدار» لا يريد أن يحكي فقط كيف انتقل عبد الفتاح السيسي من ضابط شاب إلى قائد للقوات المسلحة ثم رئيس للجمهورية، وإنما يحاول أيضًا أن يضع هذه الرحلة داخل سياق أوسع من التحولات التي مرت بها الدولة المصرية.


ولهذا فإن قراءة الكتاب لا تتوقف عند الشخصية وحدها، بل تمتد إلى المؤسسة العسكرية، وسيناء، والتحولات الإقليمية، وأحداث 2011، والمرحلة الانتقالية، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية.


وبين السيرة والشهادة والتوثيق، يقدم «رجل الأقدار» مادة تستحق القراءة والتحليل والمقارنة، لا باعتبارها نهاية النقاش حول تلك المرحلة، وإنما باعتبارها إحدى الروايات التي تسهم في فتح هذا النقاش أمام الباحثين والأجيال القادمة.


وفي هذا تكمن أهمية الكتاب الأساسية: أنه يحاول أن يجعل من مسيرة رجل مدخلًا لقراءة مرحلة كاملة من تاريخ مصر الحديث.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية