تأملات_ناصر_زاهر العلاج_بالموسيقى هندسة_الوعي_الموسيقي

 كتب /معالى السفير د ناصر زاهر


قبل أن نسمع الموسيقى كان هناك إيقاع يسكننا


قبل ان يعرف الإنسان معنى النغمة


كان هناك إيقاع


قبل ان يتعلم الغناء


كان هناك قلب يدق


وقبل ان يعرف كيف يصنع آلة موسيقية


كان هناك نفس يدخل ويخرج


وحركة ترتفع وتهبط


وعين تفتح وتغلق


وخطوة تتقدم ثم تتوقف


وحياة كاملة تتحرك في صمت


ربما لهذا السبب لا تبدأ علاقتنا بالموسيقى عندما نسمع اول لحن


بل تبدأ قبل ذلك بكثير


تبدأ عندما نأتي الى الحياة


فالإنسان يدخل العالم بإيقاع


ويعيش بإيقاع


ويتغير بإيقاع


وحين يختل شيء عميق في داخله


قد لا يظهر الاضطراب دائما في المكان الذي بدأ منه


قد يظهر في الحركة


او الكلام


او الانتباه


او النوم


او السلوك


او القدرة على التواصل


وهنا تظهر فكرة تستحق ان نتوقف عندها


ماذا لو كنا في بعض الحالات لا نحتاج فقط الى علاج العرض


بل نحتاج الى البحث عن الإيقاع الذي فقد الإنسان علاقته به


لا اقول ان كل مرض سببه خلل موسيقي


ولا ان الموسيقى تستطيع وحدها علاج كل اضطراب


فهذا تبسيط لا يخدم العلم ولا الإنسان


لكنني اتساءل عن شيء آخر


هل يمكن ان يكون الإيقاع واحدا من المفاتيح التي تساعدنا على فهم الإنسان بصورة مختلفة


الجسد ليس آلة موسيقية


لكن الجسد ليس عشوائيا ايضا


فيه دورات


وتنظيم


وتتابع


وتوقيت


واستجابة


وعلاقة مستمرة بين الداخل والخارج


والدماغ نفسه يعمل من خلال أنماط زمنية معقدة


والحركة تحتاج الى توقيت


والكلام يحتاج الى إيقاع


والتنفس له دورته


والانتباه يتغير عبر الزمن


والتفاعل الاجتماعي نفسه يحمل توقيتا


متى اتكلم


متى اصمت


متى اقترب


متى اتراجع


متى اترك مساحة للآخر


وهنا تصبح الموسيقى مثيرة للاهتمام


لأنها واحدة من اكثر الفنون وضوحا في التعامل مع الزمن


هي لا تعطيك الصوت فقط


بل تعلمك متى يأتي الصوت


ومتى يتوقف


ومتى ينتظر


ومتى يعود


ولهذا ربما يكون أعظم ما في الموسيقى ليس النغمة


بل التوقيت


فالإنسان قد يعرف ماذا يريد ان يقول


لكنه لا يعرف متى يقوله


وقد يستطيع ان يتحرك


لكنه لا يستطيع تنظيم الحركة مع الآخرين


وقد يسمع الكلام


لكنه لا يلتقط إيقاع الحوار


وقد يشعر بمن حوله


لكنه لا يجد اللحظة المناسبة للدخول في العلاقة


وهنا يمكن للموسيقى ان تقدم شيئا مختلفا


لا لأنها تعالج الإنسان بطريقة سحرية


بل لأنها تمنحه بيئة زمنية يمكن التنبؤ بها


نبضة تأتي


ثم نبضة اخرى


ثم مساحة


ثم عودة


وهذا التنظيم البسيط قد يصبح بالنسبة لبعض الأشخاص تجربة مهمة في بناء المشاركة والانتباه والتنسيق


ومن هنا أرى ان المستقبل الحقيقي للعلاج بالموسيقى قد لا يكون في البحث عن نغمة سحرية


ولا في البحث عن رقم سحري للتردد


ولا في الادعاء ان لحنا معينا يصلح لكل إنسان


بل في فهم العلاقة بين الإنسان والزمن


هذه المنطقة التي لم نعطها دائما حقها


فالإنسان لا يعيش داخل المكان فقط


الإنسان يعيش داخل الزمن


وكل تجربة إنسانية لها توقيتها


الطفل يحتاج وقتا مختلفا


وكبير السن يحتاج وقتا مختلفا


والشخص الذي يعاني من اضطراب حركي يحتاج وقتا مختلفا


والشخص الذي فقد بعض قدراته يحتاج الى مساحة زمنية مختلفة


وربما يكون جزء من الرحمة العلاجية


ان نتوقف عن إجبار كل البشر على نفس السرعة


هذه فكرة أراها شديدة الخطورة في عالمنا


نحن نعيش في زمن يريد من الجميع ان يواكب


ان يتعلم بسرعة


ان يتكلم بسرعة


ان يستجيب بسرعة


ان ينجح بسرعة


حتى أصبح البطء في نظر كثيرين علامة نقص


مع ان الطبيعة نفسها لا تعمل بهذه الطريقة


الشجرة لا تستعجل نموها


والطفل لا يولد كاملا


والجرح لا يلتئم بأوامر


والليل لا يتحول الى نهار لأننا نريد ذلك


كل شيء له إيقاعه


فلماذا نصر على ان يكون الإنسان الوحيد الذي يجب ان يعيش على إيقاع غيره


ربما هنا توجد رسالة عميقة للعلاج بالموسيقى


لا تجعل الإنسان يرقص على إيقاع العالم


بل ساعده أولا على اكتشاف إيقاعه هو


ثم ابحث عن نقطة اللقاء


وهذا فرق هائل


لأننا حين نفرض الإيقاع


قد ننتج استجابة


لكن حين نكتشف الإيقاع الخاص بالإنسان


قد نبدأ في بناء علاقة


والعلاقة هي التي تفتح كثيرا من الأبواب التي لا تفتحها الأوامر


وهنا يتحول المعالج من شخص يعطي تعليمات


الى شخص يصغي الى الزمن الخاص بالآخر


متى يتحرك


متى يتوقف


متى ينتبه


متى يرفض


متى يقترب


متى يحتاج الى الصمت


ثم يبني من هذه التفاصيل الصغيرة لغة مشتركة


وهذا في رأيي ليس مجرد أسلوب علاجي


بل احترام عميق لحق الإنسان في ان يكون له إيقاعه الخاص


ربما نحن لا نحتاج دائما الى ان نسرع بالإنسان نحو ما نريده


ربما نحتاج احيانا الى ان نمشي معه حتى يستطيع هو ان يجد خطوته


وهنا تصبح الموسيقى شيئا اكبر من الفن


وأكبر من العلاج


تصبح تمرينا على الرحمة


لأن الرحمة في جوهرها قد تكون ان تمنح الآخر الزمن الذي يحتاجه


لا الزمن الذي يناسبك انت


وربما لهذا السبب


حين نفهم الإنسان من خلال إيقاعه


نكتشف ان كثيرا مما كنا نسميه فوضى


كان محاولة للعثور على انتظام


وكثيرا مما كنا نسميه عنادا


كان رفضا لإيقاع مفروض


وكثيرا مما كنا نسميه صمتا


كان موسيقى لم نتعلم بعد كيف نسمعها


وهنا أصل الى السؤال الذي يهمني أكثر من كل ما سبق


ماذا لو لم تكن مهمتنا ان نجعل الإنسان يمشي على إيقاع الحياة


بل ان نساعده على اكتشاف الإيقاع الذي يستطيع من خلاله ان يعيش


عندها لن تكون الموسيقى مجرد صوت نستخدمه مع الإنسان


بل مرآة تكشف لنا


كيف يتحرك


كيف ينتظر


كيف يستجيب


كيف يقترب


كيف ينسحب


وكيف يمكن ان نصنع معه زمنا مشتركا


وربما في اللحظة التي نتعلم فيها ان نحترم إيقاع الإنسان


سنكتشف شيئا مؤلما


ان كثيرا من البشر لم يكونوا عاجزين عن الحياة


كانوا فقط يعيشون على إيقاع لم يكن إيقاعهم


وهنا


ربما يبدأ العلاج الحقيقي


عندما لا نسأل الإنسان


لماذا لا تستطيع ان تكون مثلنا


بل نسأله


ما الإيقاع الذي تستطيع ان تكون فيه انت



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية