ثباتُ المرء عند الألم ربما يكون نتيجةَ مآسٍ لا تُحتمل، وليس كما تعتقدين أنه القوّة


كتب /أحمد عبدالله الزنگنة

أنتِ ترينني ثابتاً، فتسمّين ذلك قوة.

ترين وجهي هادئاً في المواقف التي يفترض أن يرتجف فيها الإنسان، فتظنين أنني تجاوزت ما حدث، أو أنني من أولئك الذين لا تكسرهم الحياة.


لكن ما لا ترينه هو أن بعض البشر لا يبقون واقفين لأنهم أقوى من السقوط، بل لأنهم سقطوا مراتٍ كثيرة حتى صار الوقوف حركةً آلية، كالتنفس.


ثمة أشياء لا تجعل الإنسان أقوى؛ إنها فقط تغيّر طريقته في الانهيار.


في البداية، كان الألم حدثاً. ثم صار عادة. ثم صار جزءاً من ترتيب اليوم، مثل الاستيقاظ والعمل وإغلاق الباب في المساء. وبعد فترة، لم يعد يحتاج إلى إعلان حضوره؛ يكفي أن يجلس في مكانه المعتاد داخل الإنسان.


لهذا قد ترين شخصاً يستقبل خبراً سيئاً بوجه لا يتغير.


لا لأنه لا يتألم.


بل لأنه عرف، منذ وقت مبكر، أن الألم لا ينتظر إذناً كي يحدث، وأن البكاء لا يعيد شيئاً، وأن الحياة لا تتوقف احتراماً لمن انكسر.


وهكذا يتعلم المرء شيئاً لا ينبغي أن يتعلمه:


كيف يبدو بخير وهو ليس كذلك.



---


نحن نحب تسمية الأشياء التي لا نفهمها.


نسمي الصمت حكمة، والابتعاد نضجاً، والبرود اتزاناً، والتحمل قوة.


ربما لأن هذه الكلمات أجمل من الحقيقة.


فلو قلنا عن شخصٍ ما: لقد أُنهك حتى لم يعد يملك طاقةً للاعتراض، فلن يكون الكلام جميلاً بما يكفي ليُقال في جلسة إعجاب.


أما أن نقول: ما أقواه، فهذا أسهل.


الناس يحبون القوة حين يرونها من الخارج؛ فهي لا تطلب منهم شيئاً.


لا تسألهم عن الماضي، ولا تجبرهم على الإصغاء، ولا تجعلهم يشعرون بالذنب لأنهم لم ينتبهوا إلى حجم ما حدث.


يكفي أن يقف الإنسان أمامهم مستقراً، فيحصل على الشهادة:


قوي.


وكأنهم كانوا معه في تلك الليالي.



---


لكنني أعرف الفرق.


أعرف أن هناك ثباتاً يولد من الثقة، وثباتاً آخر يولد من الاستنزاف.


الأول يقول: سأواجه هذا.


والثاني لا يقول شيئاً.


إنه فقط ينظر إلى المصيبة كما ينظر موظف قديم إلى معاملة جديدة وصلت إلى مكتبه: يفتحها، يقرأها، ثم يضعها في مكانها المناسب.


لا دهشة.


لا احتجاج.


لا أسئلة.


فقد استُهلكت الدهشة منذ زمن.


وهذا هو الجانب الذي لا يراه أحد في الإنسان الذي يسمونه قوياً: أنه ربما لم يعد يملك شيئاً يخسره بالقدر الذي يجعله خائفاً.


لقد خسر بما يكفي.



---


هناك من تعلم ألا يتعلق، لا لأنه حر، بل لأنه عرف ثمن التعلق.


ومن لا ينتظر، لا يكون دائماً متزناً؛ ربما تعلّم أن الانتظار شكلٌ آخر من أشكال الإذلال.


ومن يرحل بسهولة، قد لا يكون أكثر نضجاً؛ ربما سبق له أن بقي طويلاً في أماكن كان ينبغي أن يغادرها منذ البداية.


حتى القسوة أحياناً ليست طبيعة.


إنها ذاكرة.


ذاكرة يدٍ امتدت ولم تجد يداً.


وعدٍ لم يُحفظ.


بابٍ أُغلق في اللحظة التي كان ينبغي أن يُفتح فيها.


وشخصٍ اكتشف، متأخراً، أن بعض الناس يستطيعون النظر إلى انكسارك دون أن يرف لهم جفن.


بعد ذلك، يصبح الحذر غريزة.


لا تحتاج إلى قرار.



---


لهذا لا أريد منكِ أن تنبهري بثباتي.


الثبات ليس دائماً شيئاً يستحق الإعجاب.


أحياناً يكون دليلاً على أن الإنسان اضطر إلى أن يكون طبيباً لنفسه في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى من يضع يده على كتفه فقط.


وأحياناً يكون علامة على أن صاحبه أمضى وقتاً طويلاً في النجاة حتى نسي كيف تكون الحياة حين لا يحتاج المرء فيها إلى النجاة.


لا أحد يخرج من المأساة كما دخلها.


بعضهم يخرج أكثر قوة، نعم.


لكن بعضهم يخرج أقل دهشة، أقل ثقة، أقل رغبة في السؤال.


يخرج وفي داخله بابٌ أُغلق.


ولا يعرف حتى متى حدث ذلك.



---


وربما لهذا السبب تبدو بعض الوجوه هادئة إلى درجة تثير القلق.


ليست الوجوه الهادئة دائماً مطمئنة.


أحياناً تكون قد فرغت من المقاومة.


وأنتِ، حين ترينها، قد تسيئين فهمها.


تظنين أن صاحبها بلغ مرحلة من السلام.


بينما هو ربما بلغ مرحلة لا يعود فيها السلام واللامبالاة متباعدين كما كانا.


إنها ليست حكمة دائماً.


قد تكون المسافة الأخيرة بين الإنسان وبين خيبة جديدة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية