هناك أشياء لا يراها أحد… إلا حين يفقدها

كتب /حسن نوفل

نحن، كبشر، نلاحظ كثيرًا من التغيّرات التي تحدث من حولنا، لكننا لا نفهم دائمًا السبب الحقيقي وراءها، وفي أحيانٍ كثيرة نفقد الشعور بأن الأشياء لم تعد كما كانت؛ لأننا اعتدنا وجودها حتى أصبح تغيّرها أمرًا عاديًّا في أعيننا.

انظر إلى الزهور مثلًا؛ حين تتفتح، تلفت أنظار الجميع بجمالها، وحين تبدأ بالذبول، قد يمرّ الأمر أمام أعيننا دون أن نلتفت إليه. لا أحد يسأل: متى بدأت هذه الزهرة تفقد حياتها؟ ومتى أصبح ذبولها شيئًا عاديًّا؟

وهكذا هي حياتنا نحن البشر.

قد يتغير شخص كان يومًا جزءًا أساسيًّا من تفاصيل حياتنا، فنعتاد انشغاله، ونعتاد قلة حديثه، ونعتاد غيابه عن بعض لحظاتنا، حتى لا ننتبه إلى أن الأيام تأخذ منّا شيئًا لن نستطيع استعادته يومًا.


وهذا يحدث كثيرًا مع أهلنا بعد الزواج؛ ننشغل بحياتنا الجديدة ومسؤولياتنا وأعمالنا، وربما نؤجل زيارتهم أو الحديث معهم بحجة أن الوقت لم يعد يتسع. ولا ندرك أن الذين اعتدنا وجودهم في حياتنا لن يبقوا معنا إلى الأبد، وأنه سيأتي يوم نبحث فيه عن أصواتهم فلا نجدها، ونتمنى لو عاد بنا الزمن دقائق فقط لنجلس معهم كما كنا نفعل من قبل.


حتى الهاتف الذي يرنّ أمامنا أصبح مثالًا آخر على الأشياء التي تغيّرت دون أن نلاحظ.


في الماضي، كان رنين الهاتف كافيًا ليجعل الجميع يسرعون لمعرفة من يتصل، أما اليوم فقد يرنّ الهاتف مرات عديدة، ولا يلتفت إليه أحد، وكأن صوته لم يعد يحمل المعنى نفسه الذي كان يحمله يومًا.


وكذلك الطعام الذي يبقى أيامًا في الثلاجة؛ نراه كل يوم، ونعرف أنه موجود، لكننا نؤجل تناوله حتى يفقد صلاحيته، ثم يكون مصيره في النهاية سلة القمامة. لم نفقد الطعام في لحظة واحدة، بل فقدناه تدريجيًّا أمام أعيننا، لأننا اعتدنا وجوده ولم نعد نرى قيمته.


وهناك أشياء كثيرة في حياتنا تسير بالطريقة نفسها؛ أشياء لا نلتفت إليها لأنها أصبحت جزءًا من المشهد، رغم أن قيمتها قد تكون أغلى من كنوز الدنيا كلها.


نحن لا نفقد الأشياء دائمًا حين تختفي، بل قد نفقدها حين نتوقف عن رؤيتها.


قد نفقد حضنًا اعتدناه، وصوتًا ألفناه، وابتسامة كانت تملأ المكان، ووقتًا كنا نظن أنه سيبقى متاحًا لنا دائمًا. وقد نكتشف قيمة كل ذلك بعد فوات الأوان، حين يصبح الرجوع مستحيلًا، ولا يبقى لنا سوى الذكريات.


لذلك، ربما علينا أن نتعلم أن ننظر مرة أخرى إلى الأشياء التي اعتدنا وجودها، وأن ننتبه إلى التفاصيل الصغيرة التي تمرّ من أمامنا كل يوم.


اسأل عن والديك قبل أن يصبح السؤال متأخرًا، واجلس مع من تحب قبل أن تتحول جلساتكم إلى ذكريات، واستمع إلى صوت من اعتدت سماعه، فقد يأتي يوم تبحث فيه عن ذلك الصوت ولا تجده.


لا تنتظر أن تفقد الشيء حتى تعرف قيمته، ولا تجعل الاعتياد يحرمك من نعمة وجوده.


فليست كل الأشياء التي لا نراها غير موجودة، وليست كل الأشياء التي اعتدناها بلا قيمة.


هناك أشياء لا يراها أحد… إلا حين يفقدها.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية