أنا والكتاب... حكاية لم تنتهِ


كتب / المهندس محمد يوسف عرابين 


كلما أمسكت كتابًا من كتبي، لا أرى الغلاف وحده.


أرى وراءه أيامًا طويلة.



أرى فكرة كانت صغيرة ثم كبرت، وسؤالًا ظل يطاردني، وصفحات كتبتها في هدوء، وصفحات أخرى كتبتها وأنا أشعر أنني أمام شيء أكبر من مجرد كتاب.


لهذا، عندما يسألني أحدهم: متى أصبحت مؤلفًا؟


لا أجد إجابة سهلة.


فالمؤلف لا يولد يوم يكتب أول كتاب.


ربما يولد قبل ذلك بكثير، عندما يبدأ الإنسان في النظر إلى العالم بعين مختلفة.


وأظن أنني كنت أفعل ذلك منذ سنوات بعيدة.


كنت أتوقف أمام الأشياء وأسأل: لماذا؟


ثم يأتي سؤال آخر:


وماذا لو؟


ومن هذين السؤالين بدأت رحلتي.


من القرية إلى العالم


أحمل في ذاكرتي صورة المكان الذي بدأت منه الحكاية: إبشواي الملق.


قرية مصرية بسيطة، لكنها بالنسبة إليّ لم تكن بسيطة أبدًا.


ففي الأماكن الأولى التي نعيش فيها تتشكل قدرتنا على ملاحظة التفاصيل؛ الوجوه، والحكايات، والعادات، والناس، والأصوات، وحتى الصمت.


وربما لا يعرف الإنسان قيمة المكان الذي نشأ فيه إلا عندما يبدأ في كتابة ذكرياته.


عندها يكتشف أن الماضي لم يختفِ.


لقد تحول إلى لغة.


ثم جاءت الهندسة


دخلت عالم الهندسة والبترول، فوجدت نفسي أمام عالم مختلف تمامًا.


المشروعات الكبيرة، المعدات، التنكات، اللحامات، التفتيش، الجودة، فرق العمل، المسؤولية، والمواعيد.


كنت أتعامل مع الحديد والمعدن والطاقة والمشروعات، لكنني كنت أتعلم في الوقت نفسه شيئًا عن الإنسان.


تعلمت أن الخطأ الصغير قد تكون له نتائج كبيرة.


وأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد.


وأن وراء كل مشروع ناجح أناسًا يعملون بصمت.


ومع السنوات بدأت أكتشف أن هذه التجربة المهنية يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى مادة للكتابة.


فكتبت عن الصناعة، وعن المستقبل، وعن التكنولوجيا، وعن الأفكار التي يمكن أن تجعل العمل أكثر ذكاءً وأمانًا.


وهكذا بدأ الخط الفاصل بين المهندس والكاتب يختفي.


عندما أصبح القلم مشروعًا


ثم حدث شيء لم أخطط له تمامًا.


أصبح لديّ عدد كبير من الأفكار.


كل فكرة تريد كتابًا.


وكل سؤال يفتح سؤالًا جديدًا.


وبدلًا من أن تكون الكتابة مشروعًا جانبيًا، أصبحت عالمًا كاملًا.


كتبت في الأدب.


وكتبت في العلوم.


وكتبت عن المستقبل.


وكتبت للأطفال.


وكتبت عن الإنسان.


وكتبت عن التكنولوجيا.


وأحيانًا كنت أضع خبرة سنوات من العمل في فكرة واحدة، ثم أحاول أن أقدمها بلغة يستطيع القارئ أن يعيش معها.


وكانت متعتي الحقيقية في أن أرى الفكرة وهي تتحول تدريجيًا إلى كتاب.


من سطر...


إلى صفحة...


إلى فصل...


ثم إلى عمل كامل له روحه الخاصة.


أجمل لحظة


لكن أجمل لحظة في رحلة المؤلف ليست لحظة الانتهاء.


إنها لحظة البداية.


تلك اللحظة التي تأتي فيها الفكرة فجأة، فتشعر أنك يجب أن تكتبها الآن.


قد تكون في العمل.


أو في المنزل.


أو في منتصف الليل.


فتقول لنفسك:


هذه الفكرة لا ينبغي أن تضيع.


فتكتبها.


ثم تعود إليها بعد أيام.


فتكتشف أن ما كتبته ليس إلا بداية.


وهكذا تبدأ المغامرة.


ماذا تعلمت من الكتب؟


تعلمت أن الكتابة تجعل الإنسان أكثر تواضعًا.


لأن كل كتاب جديد يكشف لك كم أنك لا تزال تجهل.


وتعلمت أن الكاتب لا يستطيع أن يعيش داخل تخصص واحد إذا كان يريد أن يفهم الحياة.


الحياة نفسها متعددة التخصصات.


فيها العلم والأدب.


فيها الهندسة والفلسفة.


فيها التكنولوجيا والمشاعر.


فيها الطفل والشيخ.


وفيها الماضي والمستقبل.


ولهذا أحاول أن تكون تجربتي مفتوحة على هذه العوالم كلها.


لماذا أكتب؟


أكتب لأنني لا أريد أن تمر الأفكار دون أن أترك لها أثرًا.


أكتب لأنني أؤمن أن المعرفة مسؤولية.


وأكتب لأنني أحب أن أحول السؤال إلى رحلة.


لكنني أكتب أيضًا لسبب شخصي جدًا:


لأن الكتابة تجعلني أشعر أنني أعيش مرتين؛ مرة عندما أعيش التجربة، ومرة عندما أكتب عنها.


وهذه ربما أعظم هدية منحتني إياها الكتابة.


وما زلت أكتب


اليوم، عندما أنظر إلى مشروعاتي وكتبي وأفكاري، لا أشعر أنني وصلت إلى النهاية.


على العكس.


أشعر أن الطريق أصبح أطول.


هناك أفكار تنتظر.


وكتب لم تكتب.


وحكايات لم تُروَ.


وأسئلة لم أجد لها إجابات.


ولهذا أقول لنفسي دائمًا:


لا تتعجل النهاية.


فالكاتب الذي ما زال لديه سؤال...


ما زال لديه كتاب.


وربما كانت هذه هي حكايتي كلها.


أنا والكتاب... لم تكن علاقة بدأت بكتاب، ولن تنتهي بكتاب.


إنها رحلة بدأت بسؤال.


وكلما ظننت أنني وجدت الإجابة...


اكتشفت سؤالًا جديدًا.


وهكذا أواصل الكتابة.


لا لأغلق كتاب الحياة،


بل لأضيف إليه صفحة جديدة.


نبذة عن المؤلف


المهندس محمد يوسف عرابين مؤلف وكاتب يجمع بين التجربة الهندسية والصناعية والشغف بالأدب والفكر والعلوم واستشراف المستقبل. تشكل خبرته في عالم المشروعات البترولية أحد روافد تجربته الفكرية، بينما تمنحه الكتابة مساحة لتحويل الخبرة والأسئلة والتجارب إلى أعمال أدبية وفكرية وعلمية موجهة إلى شرائح متعددة، من المتخصصين إلى الأطفال واليافعين.


وتقوم رؤيته الكتابية على فكرة أساسية: أن الإنسان يستطيع أن يحول تجربته إلى معرفة، ومعرفته إلى فكرة، وفكرته إلى أثر يبقى بعده.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية