زيارة عمل لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة
كتب /د. عمر عبود العنزى
جرت يوم أمس الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026 الموافق 4 ربيع الثاني 1448هـ، زيارة عمل لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، استقبله فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي ، وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً وجلسة مباحثات موسعة في قصر الاتحادية، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتبادل الرؤى حول التطورات الإقليمية والدولية، مع تأكيد مصري على أن "أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري" ، وجاءت الزيارة في ظل تطورات أمنية متسارعة أبرزها سيطرة جماعة الحوثي على مضيق باب المندب، والهجوم الذي استهدف خط أنابيب النفط السعودي "شرق-غرب" قادماً من الأراضي العراقية، واستمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
الزيارة السعودية إلى القاهرة: قراءة في الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية
بقلم: د. عمر عبود صويجان العنزي
أولاً: تحديد طبيعة الحدث
لا يمكن قراءة زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة بمعزل عن سياقها الإقليمي ، فهي ليست زيارة بروتوكولية ولا ثنائية بحتة، بل تندرج في إطار إعادة تشكيل خريطة الأمن الإقليمي في ظل تصاعد التهديدات المتزامنة على الممرات المائية الاستراتيجية ، وثمة ثلاثة مستويات يجب التمييز بينها بدقة منهجية:
المستوى الأول: المعلن رسمياً، ويتمثل في تأكيد مصر على دعم أمن السعودية واستقرارها، ورفض أي اعتداء يمس سيادتها أو حرية الملاحة الدولية.
المستوى الثاني: السياق الإقليمي، الذي يضم سيطرة الحوثيين على باب المندب، والهجوم على خط أنابيب "شرق-غرب"، والتوتر حول هرمز.
المستوى الثالث: التحليل الاستراتيجي، الذي يربط هذه العناصر بمنظومة أمن الطاقة والتجارة العالمية.
ثانياً: البعد الجيوسياسي: معادلة الاختناقات المترابطة
تكمن أهمية هذه الزيارة في أنها جاءت في لحظة أصبحت فيها السعودية تواجه ضغطاً من ثلاث جبهات في وقت واحد:
الجبهة الأولى: هرمز. منذ شباط/فبراير 2026، تعطلت الملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وهو المضيق الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
الجبهة الثانية: خط شرق-غرب. خط أنابيب "بترولاين" الممتد من بقيق إلى ينبع على البحر الأحمر (نحو 1,200 كيلومتر) يمثل المسار البديل الرئيسي لتجاوز هرمز ، لكن تعرضه لهجمات بطائرات مسيرة قادمة من العراق في 11 سبتمبر/أيلول، وإيقافه احترازياً، أضاف ضغطاً جديداً على قدرة السعودية على تصدير النفط.
الجبهة الثالثة: باب المندب ، سيطرت جماعة الحوثي في 11 سبتمبر/أيلول على مضيق باب المندب وجزيرة ميون والجزر المحيطة به، لتُغلق عملياً المدخل الجنوبي للبحر الأحمر, الذي يمثل شريان الملاحة الرابط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
هذه الاختناقات الثلاثة مترابطة، وتشكل في مجملها تهديداً بنيوياً لمنظومة أمن الطاقة الإقليمية والعالمية.
ثالثاً: البعد الاقتصادي: النفط وقناة السويس
أولاً: إيرادات قناة السويس، كشف الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن إغلاق مضيق هرمز أحدث تحولاً في مسارات التجارة، إذ تحولت شحنات من السعودية والخليج إلى شمال أوروبا عبر القناة. وتوقع ارتفاع الإيرادات بنهاية 2026 إلى ما بين 5.8 و6 مليارات دولار، مقارنة بـ4.1 مليار دولار في العام السابق. هذا مؤشر على أن الأزمة في هرمز، بقدر ما هي تهديد، فقد خلقت فرصة نسبية للقاهرة.
ثانياً: الشراكة التجارية السعودية-المصرية ، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 18.1 مليار دولار في 2025، بزيادة 11% عن العام السابق، والسعودية هي الشريك التجاري الثالث لمصر عالمياً ، هذا الحجم من التبادل يمنح الزيارة بُعداً اقتصادياً لا يمكن تجاهله، حتى وإن لم تُعلن اتفاقيات جديدة.
ثالثاً: خط سوميد. وهو خط أنابيب مصري ينقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط. ومع اضطراب المسارات التقليدية، تزداد أهميته كمسار بديل محتمل.
رابعاً: البعد العراقي: إشكالية جيوسياسية
يشكل الهجوم على خط شرق-غرب من الأراضي العراقية نقطة حساسة في هذه المعادلة، إذ أقرّت السلطات العراقية بانطلاق الهجوم من محافظة ميسان، وأمر رئيس الوزراء علي الزيدي بإعفاء قائد العمليات وتشكيل مجلس تحقيقي ، وفي المقابل، آثرت السعودية عدم الرد المباشر استجابةً لطلب رئيس الوزراء العراقي، ودعماً لجهود حكومته في منع الاعتداءات المنطلقة من أراضيها.
هذا الموقف السعودي يحمل دلالة استراتيجية بالغة: فالرياض اختارت مسار ضبط النفس الدبلوماسي بدلاً من التصعيد العسكري، وهو ما يعكس تقديراً بأن استقرار العراق وضبط السلاح في يد دولته يخدم المصلحة السعودية أكثر من أي رد عسكري فوري.
غير أن هذا الملف يطرح إشكالية أوسع: كيف يمكن للعراق أن يبني علاقات مستقرة مع جيرانه الخليجيين في ظل وجود فاعلين مسلحين خارج إطار الدولة؟ وهذا سؤال يتجاوز الزيارة نفسها، لكنه يظل حاضراً في خلفيتها.
خامساً: تقييم استراتيجي
يمكن تلخيص أهمية هذه الزيارة في ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: التنسيق السياسي كرصيد استراتيجي ، مصر تمثل ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً في العالم العربي، ودعمها لأمن السعودية يمنح الرياض غطاءً سياسياً مهماً، خاصة أمام مجلس الأمن والمحافل الدولية.
النقطة الثانية: المصلحة المصرية المباشرة، أي اضطراب طويل في البحر الأحمر يهدد قناة السويس، ومن ثم الاقتصاد المصري ، لذلك فإن التنسيق مع السعودية في ملف أمن الملاحة ليس تفضلاً من القاهرة، بل ضرورة استراتيجية.
النقطة الثالثة: حدود التزام مصر. لا توجد أدلة رسمية على أن الزيارة أنتجت التزاماً عسكرياً مصرياً مباشراً في اليمن أو ضد إيران. الدعم المصري المعلن هو سياسي ودبلوماسي بالدرجة الأولى، مع دعم لوجستي محتمل في مجال الملاحة، لكن دون انخراط عسكري مباشر في صراع إقليمي مفتوح.
ختاماً : أن زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة ليست حدثاً عابراً ، بل هي حلقة في سلسلة تحولات استراتيجية تشهدها المنطقة، حيث تتقاطع أزمات هرمز وباب المندب وخط شرق-غرب في نقطة واحدة: البحر الأحمر. ومصر، بموقعها الجغرافي وثقلها السياسي وقناة السويس، هي الطرف الذي لا يمكن لأي ترتيب أمني إقليمي أن يتجاهله .
ولكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل تتحول هذه التنسيقات الدبلوماسية إلى ترتيبات عملية مستدامة، أم أنها تبقى رهينة لتطورات الميدان في اليمن والعراق والممرات المائية؟

الله ينور يا مديرة التحرير - تسلم ايدك
ردحذف