حين يورق الخريف ضوءًا «إبداعات الخريف» ترتيلة الفن في رحاب مرقسية الإسكندرية


كتبت /منى منصور السيد

لم يكن الخريف في عروس البحر يوماً مجرد فصلٍ لتساقط الأوراق، بل كان دوماً موعداً لاكتمال المعنى واشتعال الجذوة الخلاقة؛ وفي الخامس من سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين، اتسعت الأفق السكندرية لميلاد حوار بليغ بين التاريخ والضوء، حين فتحت كاتدرائية القديس مرقس الأسقفية بالمنشية أروقتها العريقة لتستقبل الملتقى الخامس والثلاثين للملتقى العالمي للفنون بالإسكندرية عبر معرض «إبداعات الخريف». تجربة استثنائية لم تكن مجرد عرضٍ بصريّ، بل كانت تمازجاً روحياً وإنسانياً فريداً تسلل فيه الشغف الإنساني إلى ثنايا المكان المحمل بعبق التاريخ، لينتزع الإبداع من أطره التقليدية ويزرعه في قلب الفضاء الثقافي والروحي الشامخ.

وقد تجسدت هذه اللحظة الفارقة عبر رؤية ثاقبة قادتها الفنانة چيلان نجم، رئيسة الملتقى العالمي للفنون بالإسكندرية، والتي أدركت بعين المبدع أن الفن أفقٌ يربط الإنسانية بجماليات الوجود، ملتقيةً في ذلك مع الوعي الاستناري والأفق الثقافي الرفيع للأستاذ نادر ونيس، مدير عام مركز أركان، الذي سخر الإمكانات وهيأ الأسباب لإنجاح هذا المحفل. لقد غدا العطاء المشترك جسراً عبرت عليه الفكرة لتتحول إلى واقع بليغ يتنفس إبداعاً، مؤكداً أن احتضان الفضاءات الروحية والتاريخية للحركة التشكيلية ليس مجرد اختيار جغرافي، بل هو تعميق لحوار معرفي ووجداني يثري المشهد الفني ويلهم المتلقي.

وقد أشرقت شمس هذا الافتتاح بحضور قامات رفيعة صنعت للحدث مهابته وألقه؛ حيث تقدمت الفنانة چيلان نجم مراسم تدشين المعرض إلى جوار الناقد الفني والتشكيلي القدير الأستاذ عادل بينيامين، أحد أركان جيل الرواد في سبعينيات القرن الماضي والأستاذ بأكاديمية الفنون الجميلة "ليوناردو دافنشي" بروما كايرو، والفنان مصطفى علي، القلم الساخر وعضو مجلس إدارة نقابة الفنانين التشكيليين بالإسكندرية، إلى جانب تشرف الملتقى بحضور سيادة العميد بحري أحمد ممدوح محمود عبد الجواد؛ لتتشابك الرؤى وتلتقي الأجيال والخبرات في مشهد احتفائي يعكس قيمة الفن التشكيلية والوطنية.

وفي أروقة المعرض، تنساب التشكيلات كبانوراما ثرية تتعدد فيها اللغات والأساليب؛ إذ لم ينحصر الإبداع في مدرسة واحدة، بل فاض بالتنوع والمغامرة البصرية. تنوعت الأعمال التشكيلية الحرة لتغطي مساحات شاسعة من الرسم والتصوير، وتجسيد الكتلة والفراغ عبر النحت والخزف، ودقة الجرافيك، ورهافة المصغرات، وأصالة الأعمال اليدوية (الهاند ميد). لقد شكلت هذه الخامات والتطبيقات معزوفة بصرية متكاملة أثبتت أن الفن حي يبتكر أساليبه، وأن الجمال قادر على نسيج خيوطه في أي مساحة مؤمنة بحريته ونبضه.

إن هذا السحر البصري ما كان ليتخلق لولا تدفق إبداعات كتيبة من الفنانين والمبدعين الذين أثثوا المعرض برؤاهم؛ فكانت بصمات كل من غادة مجدي، أريج أحمد، أسماء خليل، ميري جرجس، نهال صفوت، مينا جورج، مريم عطية، وجان سامي، إلى جانب الأطروحات الفكرية للدكاترة المبدعين د. إيمان محمد علي ود. علي حسن، ومشاركات وفيق ميلاد، منى عادل محمود، مروة محمد السيد، عبد الرحمن إيهاب، ومنار مجاهد. كما تجلت الحساسية البصرية في أعمال مايكل عبد المسيح، هنا محمد أحمد، دعاء أحمد، هند رأفت، إيمان إبراهيم، سارة محمد حسن، وشيماء عبد الله، لتكتمل لوحة التنوع بأصالة سيفين عياد شكري، حبيبة إبراهيم، هبة محمد شكري، رضوى حسن، سما وليد عبد الوهاب، منة الله شعبان، إيمان إسماعيل، أميرة نادر، فاطمة جمال عبد الناصر، إيمان أحمد ضيف، هند إسماعيل، وهاجر عبد الكبير. لقد غدت أسماؤهم جميعاً حروفاً في قصيدة تشكيلية واحدة تغنت بالجمال والتجدد.

يظل معرض «إبداعات الخريف» في نسخته الخامسة والثلاثين محطة فارقة تنبض بالحياة، ودليلاً ساطعاً على أن المبدع الحقيقي لا تحده جدران صماء ولا قاعات مغلقة، بل يصنع منزله وأثره حيثما وجد الفضاء العريق والإنسان المؤمن بقيمة الفكر واللون. إنها رسالة تعيد للإسكندرية دفقها الحضاري، وتؤكد أن الفن يتجدد دائماً ليمنح الروح أجنحة حلق بها في رحاب التذوق الرفيع، لتبقى هذه التظاهرة علامة فارقة في ذاكرة الثقافة المصرية، نداءً سرمدياً ينحاز دائماً للحياة والإبداع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية