حين تحفظ الموسيقى الإنسان الذي نسيه الإنسان

#تأملات_ناصر_زاهر


#العلاج_بالموسيقى


#هندسة_الوعي_الموسيقي




كتب/ د .ناصر زاهر


هناك شيء غريب يحدث لنا مع الموسيقى


نحن لا نسمعها دائما بأذننا


أحيانا نسمعها بسنوات عمرنا


تأتي نغمة واحدة فجأة


فنجد طفلا قديما بداخلنا قد فتح عينيه


ونجد وجها ظننا اننا نسيناه


ومكانا لم نعد نعرف كيف نصل اليه


وشخصا رحل منذ سنوات


فنكتشف ان الذاكرة لم تكن نائمة


كانت فقط تنتظر الصوت المناسب


وهنا تبدأ الحكاية من مكان مختلف


ربما الموسيقى لا تحفظ الذكريات


ربما هي تحفظ النسخة القديمة منا التى صنعت تلك الذكريات


وهذا فرق كبير


لأن الإنسان لا ينسى الأحداث فقط


الإنسان ينسى نفسه التى كانت موجودة اثناء تلك الأحداث


نحن نتغير


نكبر


نتعب


نخسر


نتعلم


نضع طبقات كثيرة فوق أرواحنا


حتى يأتي يوم ننظر فيه الى المرآة


فنعرف وجوهنا


لكننا لا نعرف تماما من يسكن خلفها


ثم تأتي اغنية قديمة


ولا يحدث شيء خارق


لا السماء انفتحت


ولا الزمن عاد


لكن شيئا في الداخل قال


انا اعرفك


وهذه ربما واحدة من اكثر وظائف الموسيقى غموضا


انها تستطيع ان تعيد الإنسان الى نفسه دون ان تطلب منه ان يتذكر


الموسيقى لا تقول للذاكرة


تذكري


هي فقط تفتح الباب


والذاكرة تعرف طريقها


ولهذا فإن بعض المرضى الذين فقدوا كثيرا من قدرتهم على الكلام او التذكر قد يتغيرون تماما عندما يسمعون لحنا قديما


قد لا يعرفون اسم الأغنية


وقد لا يستطيعون شرح ما يشعرون به


لكن جسدهم يتحرك


ملامحهم تتغير


صوتهم يظهر


وأحيانا يخرج من داخلهم شيء لم تستطع الكلمات الوصول اليه


وهنا نحن امام سؤال اعمق من فكرة الذاكرة نفسها


هل يمكن ان تكون هناك ذاكرة لا تسكن في الكلمات


ذاكرة تسكن في الإيقاع


في النبرة


في التنفس


في الحركة


في الجسد


في الطريقة التى يسبق بها الشعور الكلام


ربما لهذا السبب لا تحتاج الموسيقى دائما الى عقل يتذكر


يكفيها انسان عاش


والذي عاش شيئا بعمق


لا يختفي كله بمجرد ان ينسى اسمه


هناك اشياء يتركها الزمن فينا دون ان نعرف


حركة يد


طريقة تنفس


ميل رأس


إيقاع خطوات


نغمة صوت


جملة موسيقية


ثم تمر السنوات


ويأتي صوت صغير


فيوقظ كل ذلك


كأن الإنسان لم يكن قد نسي


بل كان يحمل حياته في مكان لا نعرف نحن كيف نصل اليه


ومن هنا يمكن ان نفهم العلاج بالموسيقى من زاوية لم نتوقف عندها كثيرا


المعالج لا يعمل دائما على بناء شيء جديد


أحيانا تكون مهمته ان يجد ما بقي من الإنسان


قبل ان تضيع آخر خيوطه


وهنا يصبح العمل اكثر انسانية


لأننا لا نتعامل مع شخص على انه مجموعة قدرات نريد تحسينها


بل مع تاريخ حي


مع إنسان له زمن


وله أصوات


وله وجوه


وله لحظات


وله نسخة قديمة منه ما زالت موجودة في مكان ما


حتى لو لم يعد يستطيع الوصول اليها وحده


وهذا يغير طريقة النظر الى كبار السن


وإلى مرضى الخرف


وإلى بعض الحالات التى فقدت كثيرا من وسائل التعبير


فحين يعجز الإنسان عن سرد حياته


لا يعني بالضرورة ان حياته اختفت


ربما ما زالت موجودة


لكنها انتقلت من اللغة الى طبقة اخرى


طبقة لا نصل اليها بالأسئلة


بل بالإنصات


وهنا يصبح اللحن نوعا من المفتاح


ليس مفتاحا لعلاج سحري


ولكن مفتاحا لباب قديم


خلفه إنسان ما زال يقول


انا هنا


انا كنت هنا


انا عشت


انا أحببت


انا تألمت


انا ضحكت


انا كنت يوما شخصا آخر


لا تنظروا فقط الى ما فقدته


انظروا الى ما بقي مني


وهذا ربما هو الجزء الأكثر وجعا وجمالا في الموسيقى


انها احيانا لا تعيد لنا الماضي


بل تعيد لنا شاهد الماضي


أنفسنا التى كانت هناك


ولذلك ربما كانت الموسيقى واحدة من اكثر الأشياء التى تستطيع ان تقول للإنسان


انت لم تضيع بالكامل


هناك شيء منك ما زال يعرف الطريق اليك


قد يكون في لحن


وقد يكون في صوت


وقد يكون في ايقاع


وقد يكون في لحظة صمت بين نغمتين


ومن هنا ارى ان العلاج بالموسيقى في اعمق صوره


ليس محاولة لإجبار الإنسان على التذكر


بل مساعدته على ان يشعر ان شيئا منه ما زال محفوظا


وهذا الشعور وحده قد يكون بالغ الأهمية


لأن الإنسان حين يشعر ان جزءا منه لم يمت


يبدأ في الاقتراب من نفسه مرة اخرى


وربما لهذا السبب


كلما تقدمت بنا الحياة


لا نحتاج دائما الى موسيقى جديدة


أحيانا نحتاج الى اللحن القديم


ذلك اللحن الذي لم نكن نعرف وقتها لماذا أحببناه


ثم نكتشف بعد سنوات


انه كان يحفظ لنا شيئا


كنا سنحتاجه يوما


وحين جاء اليوم


فتح اللحن بابه


وخرج منه الإنسان الذي كنا نظنه قد رحل


فوجدناه واقفا في الداخل


ينتظرنا


منذ زمن



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية