العلمين.. منصة مصر لصناعة النفوذ وبناء الشراكات الإقليمية

كتبت /د. فايزة خطاب

دكتوراة التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية – جامعة عين شمس

باحثة الدراسات السياسية والاستراتيجية


في عالم تتداخل فيه اعتبارات الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة، وتتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية، لم تعد المدن والمواقع الجغرافية مجرد مساحات مكانية، وإنما أصبحت أدوات فاعلة في بناء النفوذ وإدارة العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، تكتسب مدينة العلمين دلالة تتجاوز بعدها السياحي والعمراني، لتبرز باعتبارها إحدى المنصات الجديدة التي تتقاطع فيها الدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا والتعاون الإقليمي.


وقد عكست فعاليات اليوم هذا التحول بوضوح، من خلال افتتاح النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026، بالتزامن مع انعقاد قمة آلية التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص. وهذا التزامن يعكس في دلالته السياسية والاستراتيجية، واتساع مفهوم الشراكة المصرية في شرق المتوسط، وانتقالها من إطار العلاقات الثنائية التقليدية إلى بناء شبكات متعددة المستويات من المصالح والتعاون.


شرق المتوسط.. من مجال جغرافي إلى فضاء استراتيجي


أصبح شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة أكثر الأقاليم أهمية في النظامين الإقليمي والدولي، نتيجة تداخل ملفات الطاقة والأمن والهجرة والتجارة والممرات البحرية، إلى جانب الأزمات السياسية الممتدة في محيطه.


ومن هذا المنظور، تمثل آلية التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص نموذجًا مهمًا للتعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة، إذ لا تقتصر وظيفتها على المجال السياسي، وإنما تمتد إلى مجالات الطاقة والاستثمار والتجارة والسياحة والتعليم والثقافة والأمن.


وتكمن أهمية هذه الآلية في قدرتها على إقامة تعاون بناء بين ثلاث دول تمتلك، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية، مقومات تؤهلها للتأثير في معادلات شرق المتوسط. فمصر تمثل ثقلًا عربيًا وإفريقيًا ومحورًا رئيسيًا في حركة التجارة والطاقة، بينما تتمتع اليونان وقبرص بموقع استراتيجي داخل المنظومتين الأوروبية والمتوسطية.


ومن ثم، فإن التعاون بين الدول الثلاث يعد إطارًا قابلًا للتطور وفقًا للمصالح المتغيرة في الإقليم، وبما يعزز قدرة الأطراف الثلاثة على إدارة ملفات مشتركة.


الطاقة.. البعد الاقتصادي للشراكة الاستراتيجية


يأتي ملف الطاقة في مقدمة المجالات التي تكشف عن القيمة الاستراتيجية لهذا التعاون. فمشروعات الربط الكهربائي بين مصر واليونان، وفي مقدمتها مشروع GREGY، تفتح المجال أمام بناء روابط جديدة بين قدرات الطاقة المصرية والأسواق الأوروبية، ولا سيما في مجال الطاقة النظيفة.


كما يمثل التعاون المصري القبرصي في مجال الغاز الطبيعي نموذجًا آخر لتوظيف الموارد والبنية التحتية في بناء مصالح متبادلة؛ إذ يمكن لمصر، بما تمتلكه من بنية تحتية وخبرات في مجال تسييل الغاز وإعادة تصديره، أن تؤدي دورًا محوريًا في نقل موارد شرق المتوسط إلى الأسواق الخارجية.


وهنا تتضح إحدى أهم سمات السياسة الاقتصادية والاستراتيجية المصرية؛ وهي تحويل الموقع الجغرافي والبنية التحتية إلى أدوات لإنتاج القيمة والنفوذ. فالموانئ وشبكات الطاقة وممرات التجارة ليست مجرد أصول اقتصادية، وإنما يمكن أن تتحول إلى عناصر من عناصر القوة الشاملة للدولة عندما تُوظف ضمن رؤية استراتيجية متكاملة.


ومن ثم، فإن التعاون في مجال الطاقة بين مصر واليونان وقبرص يتجاوز مفهوم تأمين الإمدادات، ليصبح جزءًا من إعادة تشكيل خريطة الطاقة في شرق المتوسط وربطها بالأسواق الأوروبية.


العلمين.. دبلوماسية جديدة للمدن المصرية


وفي الجانب الآخر، يحمل انعقاد معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء دلالة مهمة على تطور مفهوم توظيف المدن المصرية في دعم الحضور الدولي للدولة.


فاستضافة معرض دولي بهذا الحجم، بمشاركة دول وفرق جوية من مناطق مختلفة من العالم، لا تقتصر أهميتها على الجانب العسكري أو التقني، وإنما تمتد إلى مجالات الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا ونقل الخبرات وفتح قنوات جديدة للتعاون والاستثمار.


وتزداد أهمية ذلك في ضوء التحول العالمي المتسارع في صناعات الطيران والفضاء، التي أصبحت من القطاعات المرتبطة مباشرة بالابتكار والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية والاتصالات والأمن والاقتصاد المعرفي.


ومن هنا، يمثل معرض العلمين فرصة لتعزيز حضور مصر الدولي، وفتح المجال أمام توسيع الشراكات الصناعية والتكنولوجية، فضلًا عن تقديم مصر باعتبارها دولة كبرى قادرة على استضافة الأحداث الدولية ذات الاهتمام المشترك.


ولعل الأهم أن العلمين نفسها أصبحت خلال السنوات الأخيرة نموذجًا للتحول في توظيف المجال الجغرافي؛ فالمكان الذي كان يُنظر إليه أساسًا باعتباره امتدادًا سياحيًا لساحل المتوسط، بات يحمل وظائف اقتصادية ودبلوماسية واستثمارية وإعلامية متنامية.


من التعاون السياسي إلى بناء المصالح


تكشف القمة الثلاثية كذلك عن تطور مهم في مفهوم التعاون الإقليمي؛ فالعلاقات الدولية المعاصرة لم تعد تُدار من خلال القنوات السياسية وحدها، وإنما عبر شبكة متداخلة من المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية والمجتمعية.


وفي هذا الإطار، فإن التعاون المصري اليوناني القبرصي في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والتعليم والثقافة والهجرة وانتقال العمالة المصرية الماهرة، يخلق قاعدة أوسع وأكثر استدامة للعلاقات بين الدول الثلاث.


وتزداد أهمية هذا المسار عندما يقترن بدور القطاع الخاص والغرف التجارية والصناعية، لأن استدامة الشراكات الإقليمية لا تعتمد فقط على الإرادة السياسية، وإنما تحتاج إلى مصالح اقتصادية متبادلة تجعل استمرار التعاون خيارًا استراتيجيًا لجميع الأطراف.


وهنا تظهر الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها أحد أهم أدوات السياسة الخارجية المصرية؛ إذ تتحول العلاقات السياسية إلى فرص استثمارية، ومشروعات مشتركة، وشراكات في الطاقة والتكنولوجيا والسياحة والصناعة.


الأمن الإقليمي.. إدارة التحديات المشتركة


لا يمكن قراءة التعاون الثلاثي بعيدًا عن البيئة الأمنية المحيطة. فالهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، والإرهاب، وأمن الممرات البحرية، وحماية المصالح الاقتصادية ومصادر الطاقة، كلها تحديات تتجاوز الحدود الوطنية وتتطلب مستويات عليا من التنسيق الدولي لحماية المنطقة.


ومن هذا المنطلق، يمثل التعاون الأمني والعسكري بين مصر واليونان وقبرص أحد مكونات الاستقرار في شرق المتوسط، خاصة أن الأمن الإقليمي لم يعد مفهومًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، وإنما أصبح يرتبط بالأمن الاقتصادي وأمن الطاقة وأمن الحدود والأمن البحري والأمن المجتمعي.


وتتسع الصورة عند النظر إلى الملفات الإقليمية الأخرى التي تناولتها القمة، وفي مقدمتها الأوضاع في ليبيا وسوريا والسودان والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.


وهذا يعكس إدراكًا مصريًا واضحًا بأن استقرار شرق المتوسط لا يمكن فصله عن استقرار البيئة الإقليمية المحيطة به؛ فالأزمات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تنعكس بصورة مباشرة على أمن الطاقة والهجرة والتجارة والممرات البحرية.


مياه النيل.. الأمن القومي في سياقه الدولي


كما تبرز قضية مياه النيل باعتبارها من الملفات التي تتصل بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري. والتأكيد على مبادئ القانون الدولي الحاكمة للأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها عدم الإضرار والإخطار المسبق ورفض الإجراءات الأحادية، يعكس تمسك مصر بإدارة ملف المياه ضمن إطار قانوني ومؤسسي يحفظ حقوق الدول ومصالحها.


ومن المهم هنا إدراك أن السياسة الخارجية المصرية لا تتعامل مع قضية المياه باعتبارها ملفًا فنيًا أو بيئيًا فحسب، وإنما باعتبارها قضية استراتيجية ذات أبعاد قانونية وسياسية وأمنية وتنموية.


مصر.. توظيف عناصر القوة الشاملة


إذا أردنا قراءة المشهد بصورة أعمق، فإن ما شهدته العلمين اليوم يقدم نموذجًا لكيفية توظيف الدولة لعناصر قوتها المختلفة في إطار واحد.


فالموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والدبلوماسية، والقدرات العسكرية، والطاقة، والسياحة، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والقدرة على تنظيم الفعاليات الدولية، كلها عناصر لا تعمل منفردة، وإنما تكتسب قيمتها الاستراتيجية من قدرتها على التكامل.


وهذا هو جوهر مفهوم القوة الشاملة للدولة؛ إذ لا تُقاس قوة الدولة بعنصر واحد، وإنما بقدرتها على إدارة مواردها وتوظيفها لتحقيق أهدافها الوطنية وتعظيم قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي والدولي.


وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى قمة مصر واليونان وقبرص ومعرض العلمين للطيران والفضاء باعتبارهما صورتين متكاملتين لمشهد واحد: الأولى تعكس الدبلوماسية وصناعة الشراكات، والثانية تعكس الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرات والاتصال الدولي.


العلمين.. منصة لصناعة النفوذ


إن الدلالة الأهم لما شهدته العلمين اليوم تكمن في أن مصر لا تتعامل مع جغرافيتها باعتبارها معطى ثابتًا، وإنما تعمل على تحويلها إلى مصدر للقوة والتأثير.


فالموقع على المتوسط يتحول إلى منصة للطاقة والتجارة والسياحة والاستثمار، والمدينة الجديدة تتحول إلى مساحة لاستضافة الأحداث الدولية، والعلاقات مع دول الجوار الأوروبي تتحول إلى شراكات متعددة المجالات، بينما تتكامل الدبلوماسية السياسية مع الدبلوماسية الاقتصادية والأمنية.


ومن ثم، فإن العلمين اليوم لم تكن مجرد مسرح لقمة سياسية أو معرض دولي للطيران والفضاء؛ وإنما بدت كعنوان لتحول أعمق في أدوات الحضور المصري، حيث تلتقي الدبلوماسية بالاقتصاد، والطاقة بالتكنولوجيا، والأمن بالتنمية، والجغرافيا بصناعة النفوذ.


وفي عالم تتغير فيه موازين القوة وتتسع فيه دوائر التنافس الدولي، فإن امتلاك الدولة لموقع استراتيجي  يمثل نقطة البداية، أما القيمة الحقيقية فتتمثل في القدرة على إدارة هذا الموقع وتوظيفه ضمن رؤية متكاملة.


وهنا تكمن أهمية ما شهدته العلمين: مصر لا تكتفي بأن تكون جزءًا من معادلات شرق المتوسط، وإنما تعمل على أن تكون أحد الفاعلين القادرين على صياغة هذه المعادلات، وبناء الشراكات التي تجعل من الاستقرار والتنمية والمصالح المشتركة أساسًا لنفوذ إقليمي أكثر فاعلية واستدامة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية