اختيار المسئول وتأهيله.. صناعة قيادة تحمى الدولة ​تأملات وطنية

 كتب /أيمن عدلى

​لم يعد اختيار المسئول لشغل منصب قيادى مجرد قرار إداري، وإنما أصبح قضية تتصل بكفاءة الدولة وقدرتها على إدارة ملفاتها والحفاظ على ثقة المواطن فى مؤسساتها. فالمسؤول، أيًا كان موقعه، لا يمثل نفسه فقط، وإنما يمثل مؤسسة ودولة، وكل كلمة تصدر عنه وكل تصرف يقوم به قد ينعكس على صورة الحكومة وعلى علاقة المواطن بمؤسسات الدولة.

​ومن هنا تبرز أهمية أن تسير عملية اختيار المسئولين جنباً إلى جنب مع منظومة حقيقية للتدريب والتأهيل. فالكفاءة الفنية وحدها لا تكفى لشغل المناصب التي تتطلب احتكاكًا مباشرًا بالمواطنين والإعلام والقيادات التنفيذية. المسئول يحتاج إلى حس جماهيري، وقدرة على الاستماع والحوار، وإدارة الأزمات، والتعامل مع وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن القدرة على اتخاذ القرار فى التوقيت المناسب وبالأسلوب الذى يحفظ هيبة الدولة واحترام المواطن فى الوقت نفسه.

​الكفاءة الفنية وحدها لا تكفى

​وتقدم تجارب دول عديدة نماذج جديرة بالدراسة فى هذا المجال، حيث لا تكتفى الدولة باختيار أصحاب الكفاءة، وإنما تعمل على إعداد القيادات قبل تولى المسؤولية وأثنائها. ففى بريطانيا توجد برامج متخصصة لإعداد القيادات العليا فى الخدمة المدنية، بينما تعتمد فرنسا منظومة متقدمة لإعداد وتأهيل كبار مسئولى الدولة من خلال التدريب على القيادة وصناعة السياسات وإدارة التغيير والأزمات. وتقوم الفكرة فى جوهرها على أن المنصب الرفيع مسؤولية تحتاج إلى إعداد، وليس مجرد ترقية أو انتقال.

​ونحن فى مصر فى حاجة إلى تطوير هذه الفكرة بما يتناسب مع طبيعة الدولة المصرية، من خلال برنامج قومى مكثف لتأهيل من يتم اختيارهم للمناصب القيادية، يتضمن التدريب على التعامل مع المواطنين، وفنون الاتصال والإعلام، وإدارة الأزمات، والظهور الإعلامي، وفهم الرأي العام، وأخلاقيات الوظيفة العامة، إلى جانب مهارات الإدارة واتخاذ القرار.

​وما زلنا ندفع أحيانًا ثمن اختيارات غير موفقة لبعض المناصب، ليس بسبب غياب الخبرة أو المؤهلات، وإنما بسبب افتقاد بعض شاغليها للحس الجماهيرى والقدرة على التفاعل مع المواطنين وإدارة المواقف الحساسة.

​وفى المقابل، لدينا نماذج مصرية ناجحة لقيادات أثبتت أن المسئول القوى ليس من يفرض حضوره بالصوت المرتفع، وإنما من يمتلك الهدوء والثقة والقدرة على الإنصات والحسم واحترام الناس. فهناك مسئولون استطاعوا أن يكسبوا ثقة المواطنين لأنهم أدركوا أن القرب من الناس ليس ضعفًا، وأن الاستماع إليهم ليس تراجعًا عن هيبة المنصب.

​إن بناء دولة قوية لا يعتمد فقط على القوانين والهياكل، وإنما على الإنسان الذى يدير هذه الهياكل. ولذلك فإن الاستثمار فى اختيار المسئول وتأهيله وتدريبه هو فى الحقيقة استثمار فى مستقبل الوطن وحماية استقراره.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية