في قصصهم عبرة
كتب أ.د / محمد كامل يوسف طه
يكبر المرء ويكبر معه عقله ويكتسب مع التقدم العمري الكثير من الخبرات والفوائد الحياتية التي كان لا يتسنى له توافرها أو بعضها في مراحل عمره الأولى ، بيد أن الفائدة العظمى هو استثمار هذه الخبرة الاستثمار الأمثل وتوظيفها التوظيف الجاد الفاعل في مكانها المناسب حتى تعود على صاحبها بالخير الكثير والنفع العام بإذن الله، وقد نسبق الأحداث غير منتظرين تقدمنا في العمر للحصول على مزيد من الخبرة وذلك باغتنام خبرات كبار السن الذين عايشناهم وقضينا معهم اعمارا وأزمنة متطاولة من حياتنا ، فهم يقدمون لنا خلاصة خبراتهم وعصارة أفكارهم دون تعب أو جهد أو مقابل، وقد قص الله علينا من سير الأنبياء والمرسلين السابقين على بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأوضح - سبحانه وتعالى - أن الهدف الأسمى والغاية الكبرى من ذلك القصص : تحصيل الخير والفوائد المتضمنة في قوله سبحانه " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون " سورة يوسف آية(١١١).
وإذا كنا مأمورين بالتأسي بالسابقين والسير على خطاهم والإفادة من سيرهم وأحوالهم و تفاعلاتهم في شؤون حياتهم ، فإنني اهتبل هذه الفرصة بالحديث عن والدي رحمه الله الذي تزامن تحرير هذا المقال مع ذكرى وفاته ، أملا في تقديم شيء قليل له من خيره الممتد لعمر جاوز الثمانين عاماً حافلة جميعها بالعطاء والبذل و التضحيات.
لقد كان أبي رحمه الله من الآباء الذين تشرف بابوتهم ، وتعتز ببنوتك لهم ، تعيش معه فتعيش في أنس ومسامرة يسعدك بجلسته ويملأ عليك وقتك بالممتع من القصص والنافع المفيد من الحكايات ، ولا تخلو واحدة منها من فكاهة يطرب لها القلب ويستمتع بها العقل والفؤاد ، له في كل موقف حكاية ولكل مناسبة قصة إما نقلها عن الغير أو عايشها بنفسه ، فينقلها لك نقل الأمين الصادق ، وقد لا يخلو بعضها من خيال أو مخالفة في المعتقد أو في السند فيتقبل تعليقنا عليها بقبول حسن دون ضجر أو ضيق أو ملل ، معبرا عن ذلك بعبارته الشهيرة ، (ما تضيقش المذاهب) أو (ارفع لها خشبة )😀.
- ومن قصصه النافعة ، قصة ذلك الرجل الذي كان مسافراً ودخل المسجد ليصلي إحدى الفرائض، فإذا بإمام المسجد يطيل في الصلاة إطالة استنكرها هذا الرجل ، وتضايق من عدم فقه الإمام في الصلاة معبراً عن هذا الموقف بابيات من الشعر قال فيها :
رب إمام عديم الذوق
يؤم بالناس ثم يجحف
إذ ذاك خالف قول طه
من أم بالناس فليخفف.و
يقصد بقول طه : حديث نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه موجها : " من أم منكم الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير والسقيم وذا الحاجة " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-تعلمنا منه رحمه الله الكثير من الآداب الجليلة والخصال الحميدة ولا زلنا نعيش بفضل الله تعالى في رحابها وننعم بفضل الله جراء تطبيقها والاقتداء به فيها ، أذكر منها :
- حرصه على الصلاة ومحافظته عليها في أول وقتها وفي المسجد ومع الجماعة .
- التزامه بالصلاة واقفا مدة طويلة بعد إصابته بآلام في أرجله ، ولم يصل جالساً إلا في السنوات الأخيرة قبل وفاته.
- بكاؤه الشديد عندما حيل بينه وبين الصلاة في المسجد بعد اشتداد الألم عليه وعدم قدرته على الحركة إلا بمساعد .
- حبه الشديد لكتاب الله وحرصه على تلاوته وقتيا وختمه له كل ثلاثة أيام.
- ضلاعته في القراءة ومطالعة الكتب والمجلات والجرائد - رغم أنه لم يتعلم إلا إلى الصف الرابع الابتدائي - ، لدرجة عدم تركه الصحيفة أو الكتاب الذي يشرع في قراءته إلا بعد فراغه منه ، ولا عجب في ذلك فقد كان تلميذاً نجيباً لفضيلة الشيخ زهران والد أستاذنا الشيخ ربيع علامة القرآن والقراءات، رحمة الله على الجميع.
- صلته الرحم ومواظبته على ذلك وتعاهده لهم لاسيما أهل والدته : جدتي الحاجة رشيدة بنت عبدالوهاب ، وأهل أمي الحاجة نادية بنت سيد بن عبد الرحمن وخير دليل على ذلك زيارته لهم في عودته من قبض المعاش بيتاً بيتاً حتى أنه كان ليعود في هذا اليوم بعد العصر وقبيل المغرب .
- يعد والدي رحمه الله نسابة العائلة إن لم يكن نسابة البلدة كلها ، يشابه في ذلك الصديق أبا بكر رضي الله عنه الذي كان نسابة العرب ، وقد نفع الله نبينا محمداً بهذه المعرفة في الدعوة إلى الإسلام ، وقد نفعنا الله بعلم أبي أنساب الناس نفعاً كبيراً في صلة رحمنا وتوطيد دعائم المودة بيننا وبينهم ، وفي الحديث : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " ، ونرجو أن يصيبه وعد الله تعالى للرحم بأن يصل من وصلها ، اللهم صل أبي بوصلك ، ولا تقطع عنه جودك ورحمتك ، آمين.
- صلته لأحبابه و أصحابه سواء في هذا من كان يجاورهم في حقل أو يصاحبهم في عمل ، فمن الأول : جوار الحقل ، أحبابه في قرية أبو غرير ومنهم : عم الحاج عبدالغفار ، وعم الحاج حلمي ، وعم الحاج طه أبو سالم وغيرهم من أهالي القرية الكثير ، حفظ الله الاحياء ورحم الأموات والحقنا بهم في الصالحين من عباده آمين ، ومن أصحاب العمل ، من قرى تلة وصفط وعزبة الخشابة وماقوسة وغيرها ، ومنهم من زارهم بعد تسعة عشر عاما من تقاعده ووصوله إلى سن المعاش وكنت مرافقا له في معظم زياراته رحم الله الجميع.
- حثه الشديد لنا على الذهاب إلى المسجد في كل صلاة وايقاظنا في صلاة الفجر وملازمته أذكار الصباح بعدها ، وقد كان ذلك كله نعمة عظيمة من نعم الله تعالى علينا في العون على طاعة الله وأداء أعظم أركان دينه ركن الصلاة ، والحمد لله على هذا الإنعام والحمد لله على هذا الإكرام ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
لاشك أن لكل واحد منا قصة مع من يحب أبا كان أو أما عما أو خالا ، قريبا أو بعيداً، فهذه دعوة لنستفد منهم ولننقل عنهم ما هو نافع ومفيد ليكون نبراسا لنا في دروب هذه الحياة .
- أبي الغالي:
فيا حبّذا الأحياءُ ما دمتِ فيهم
ويا حبّذا الأمواتُ ما ضمّك القبرُ
اللهم يا حنان يا منان يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال و الاكرام ، ويا قيوم السماوات والأرض ، ارحم أبي ، ووسع قبره ونور له فيه ، والحقنا به في الصالحين من عبادك ، وأجمعنا به وجميع موتانا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ، اللهم آمين.

تعليقات
إرسال تعليق