الطفولة المسروقة
كتبت/ سماح العباسي
اعتدت أن أراه دائمًا مفترشًا الرصيف، وأمامه بعض أكياس المناديل التي يعرضها على المارة.
مجرد طفل صغير، لا يتجاوز السادسة من عمره، لكن عينيه البريئتين كانتا تحملان حزنًا عميقًا وانكسارًا أكبر من عمره بكثير.
كنت أمر من أمامه فأراه جالسًا في صمت، يراقب الوجوه العابرة من حوله. أطفال في مثل سنه يحملون حقائبهم متجهين إلى مدارسهم، وآخرون يركضون خلف آبائهم، بينما هو يجلس على الرصيف ينتظر أن يشتري أحدهم كيسًا من المناديل.
كنت أتساءل في داخلي:
كيف يمكن لطفل في السادسة أن يعرف معنى الانتظار والفقر والخوف، قبل أن يعرف معنى اللعب؟
من الذي سرق منه طفولته؟
إنه ليس الطفل الوحيد الذي سُرقت منه أجمل سنوات عمره.
هناك أطفال آخرون يلاحقون المارة لعرض بضائعهم البسيطة؛ بعض الحلوى، أو المناديل، أو أشياء صغيرة لا تكاد تعني شيئًا في أعيننا، لكنها بالنسبة إليهم قد تعني وجبة ينتظرونها في نهاية اليوم.
يركضون خلف المارة، لا طمعًا في المال، وإنما خوفًا من العودة خالي الوفاض.
فماذا ينتظرهم إذا عادوا بلا مال؟
قد تستقبلهم أيدي الكبار القاسية بالضرب والتوبيخ والتنمر، وربما يُحرمون من الطعام، بينما يلتف وحش الجوع حول أجسادهم الصغيرة بلا رحمة.
أي طفولة هذه؟
وأي قلب يمكنه أن يحتمل أن يرى طفلًا في السادسة أو السابعة من عمره يركض خلف السيارات والمارة، بينما أقرانه يركضون في ساحات اللعب؟
إنهم لا يبيعون المناديل والحلوى وحدها...
إنهم يبيعون ما تبقى من طفولتهم كي يشتروا بها حقهم في البقاء.
وهناك أطفال آخرون لا نراهم مفترشين الأرصفة، لكنهم يعيشون مأساة لا تقل قسوة؛ أطفال تُستغل طفولتهم في أعمال شاقة تفوق قدرتهم، في البيوت والمطاعم والمصانع والورش ومواقع البناء، أو يقضون ساعات طويلة في مسح الأحذية وبيع الأشياء البسيطة في الشوارع.
طفل كان من المفترض أن يحمل حقيبته المدرسية، فإذا به يحمل أدوات العمل.
كان ينبغي أن يتعلم ويقرأ ويلعب ويكتشف العالم، فإذا به يتعلم مبكرًا كيف يحسب ما كسبه في نهاية اليوم، وكيف يعود إلى البيت وفي يده ما يكفي لتجنب غضب الكبار.
الفقر قد يكون أحد أسباب هذه المآسي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لحرمان الطفل من حقوقه.
فالطفل ليس يدًا عاملة رخيصة، وليس وسيلة لسد عجز الأسرة، وليس مسؤولًا عن أخطاء الكبار.
وخلف كل طفل في الشارع حكاية مختلفة.
فهناك من دفعه الفقر، وهناك من فقد أسرته، وهناك من هرب من العنف، وهناك من عاش التفكك الأسري حتى أصبح الشارع، على قسوته، أقرب إليه من البيت.
وهناك مآسٍ أخرى أشد إيلامًا؛ أمٌّ تخلت عن طفلها وألقته إلى الشارع خوفًا من زوجها الجديد، وأبٌ غاب عن مسؤولياته، وأسرة دفعت طفلًا صغيرًا إلى العمل بدل أن تدفع به إلى المدرسة، وغير ذلك من الحكايات التي لا يكاد القلب يحتمل سماعها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نسارع إلى إصدار الأحكام على كل أسرة؛ فخلف بعض هذه المآسي ظروف معقدة، وفقر شديد، وعنف، وضغوط لا نعرف تفاصيلها.
لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تختلف عليها القلوب:
الطفل لا يجب أن يكون الثمن الذي يدفعه الكبار عن أخطائهم وخلافاتهم.
فالطفل لا يولد راغبًا في التشرد، ولا يختار الرصيف وطنًا له، ولا يحلم بأن تكون السماء سقف غرفته.
كان من حقه أن يحمل كتابًا وألوانًا ولعبة، لا أن يحمل همّ يومه.
كان من حقه أن يذهب إلى المدرسة، لا أن يطارد المارة.
كان من حقه أن يعود إلى بيت يجد فيه الأمان، لا أن يرتجف خوفًا مما ينتظره إذا لم يبع ما يكفي.
إن الظلم الاجتماعي لا يبدأ دائمًا بقرار كبير أو جريمة واضحة؛ أحيانًا يبدأ حين نعتاد الألم حتى يصبح عاديًا في أعيننا.
حين يصبح طفل نائم على الرصيف مجرد جزء من منظر المدينة، فهناك مشكلة أكبر من الفقر نفسه:
هناك مشكلة في ضمير المجتمع.
ننظر إلى الطفل بعين الشك، وننسى أنه طفل.
نغضب من وجوده أمام أبواب المتاجر والمطاعم، ولا نسأل أين يجب أن يكون في هذا العمر.
نلومه على سلوكه، ولا نسأل من علّمه هذا السلوك.
نطالبه بأن يكون صالحًا، بينما لم نوفر له البيئة التي تساعده على أن يصبح صالحًا.
ولا يعني التعاطف مع أطفال الشوارع تبرير كل سلوك قد يصدر عنهم، وإنما يعني أن نفهم أن الطفل يحتاج إلى الحماية والتعليم والرعاية والتأهيل، وأن معالجة المشكلة تبدأ من جذورها، لا من طرد الطفل من أمام أعيننا حتى لا نراه.
فهو ليس مجرد رقم في تقرير، ولا مشكلة يجب إخفاؤها عن أعين المارة.
إنه إنسان صغير يحمل بداخله موهبة وحلمًا ومستقبلًا لم يُكتب بعد.
كم من طفل كان يمكن أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو فنانًا أو كاتبًا أو معلمًا، لو وجد يدًا تمتد إليه في الوقت المناسب؟
وكم من موهبة ماتت قبل أن تعرف اسمها، لأن صاحبها كان منشغلًا بمحاولة الحصول على طعام يومه؟
إن أخطر ما يفعله الفقر بالطفولة ليس أنه يحرم الطفل من الأشياء فحسب، وإنما أنه قد يحرمه من الفرصة.
والفرصة هي أثمن ما يمكن أن يمنحه المجتمع لطفل.
فرصة للتعليم.
فرصة للحماية.
فرصة للرعاية.
فرصة للحياة الكريمة.
وفرصة لأن يحلم دون أن يشعر أن العالم كتب مستقبله نيابة عنه.
لذلك، حين نتحدث عن أطفال الشوارع والأطفال المستغلين في العمل، لا ينبغي أن نسأل فقط:
«ماذا يفعل هؤلاء الأطفال في الشوارع؟»
بل علينا أن نسأل السؤال الأصعب:
«من أوصلهم إلى الشارع؟ ومن كان يجب أن يحميهم ولم يفعل؟»
فالطفل أضعف من أن يحمل أخطاء الكبار، وأصغر من أن يخوض وحده معركة الفقر والخوف والنبذ.
إنقاذ طفل من الشارع لا يكون بنظرة شفقة عابرة، ولا بكلمات مؤثرة، ولا بمساعدة تنتهي بانتهاء اللحظة وحدها؛ بل يحتاج إلى حماية حقيقية، وتعليم، ورعاية، وأسرة آمنة، ومجتمع يرى الطفل إنسانًا له حقوق، لا عبئًا ينبغي التخلص منه.
إن الطفل الذي حُرم من المدرسة يحتاج إلى فرصة للعودة إليها، والذي حُرم من الأسرة يحتاج إلى رعاية آمنة، والذي تعرض للعنف يحتاج إلى حماية، والذي عاش طويلًا في الخوف يحتاج إلى أن يعرف من جديد معنى الأمان.
فالعدالة ليست أن نطلب من طفل مكسور أن يتصرف كإنسان لم ينكسر قط.
العدالة أن نمنحه فرصة ليُصلح ما أفسدته الظروف.
وربما آن لنا أن نتوقف عن سؤال الطفل:
«لماذا أنت هنا؟»
وأن نسأل أنفسنا نحن:
«لماذا تركناه يصل إلى هنا؟»
فحين ينام طفل على الرصيف، لا تكون السماء وحدها فوق رأسه...
بل يكون فوق رؤوسنا جميعًا سؤال ثقيل:
أين كان المجتمع؟
إنهم لا يحتاجون إلى الشفقة وحدها؛ فالشفقة لحظة وتنتهي.
إنهم يحتاجون إلى حقهم.
حقهم في الأمان، والتعليم، والرعاية، والكرامة، والمستقبل.
فالطفولة ليست رفاهية تمنحها الحياة لمن حالفه الحظ.
الطفولة حق... وسرقتها جريمة في حق المستقبل.

تعليقات
إرسال تعليق