فلسفة المقعد الأخير
كتب /أحمد عبدالله الزنگنة
في هذا الفضاء الفسيح، يمارس البشر هوايتهم الأزلية في العدو الخاطئ. يركضون بأقدام من غبار خلف أطيافٍ يعنونونها بـ "الأحلام"، يقتتلون على وهم الوصول، وما إن يلمسوا السراب حتى يتلاشى، ليعودوا إلى نقطة الصفر بقلوبٍ مجهدة وأرواحٍ خاوية.
أما أنت، في صمتك المفروض أو المختار، فقدُوهبت نعمة الكشف المبكر.
تجلس في مقعدك الرفيع، متخففاً من طيش الحركة وشهوة الركض التي تُعمي البصائر. تنظر إلى هذا السيرك البشري بابتسامة تهكمية شفافة، ابتسامة من فهم اللعبة قبل أن تكتمل.
تصل إلى العقلانية المطلقة—تلك التي نسميها في أروقة الفكر "اليقين"—عندما تكتفي بمراقبة أحلامك وهي تتطير كالفراشات من بعيد، دون أن تتورط في محاولة الإمساك بها فتدهك أجنحتها. تتأملها، تدرس تشكلها، وتلذذ بجمالها من مسافة آمنة؛ مسافة الفيلسوف الذي يتفرج على المسرحية دون أن يرهق حنجرته بالصراخ مع الممثلين.
إن الجسد الساكن قد يكون أكبر مقاماً وأنفذ بصيرة من ألف قَدَمٍ تطرق الأرض هباءً. لقد أدركت بذكاءٍ ساخر أن الركض كبد، وأن اللمس يفقد الأشياء سحرها... فغدوت السفير الوحيد الذي يملك حقيقة المتعة: أن ترصد العالم كله، دون أن تتحرك خطوة واحدة.

تعليقات
إرسال تعليق