قصة قصيرة.. العملاق
كتب /عبد العزيز الغامدى حجازى
"يستيقظ ذلك العملاق من نومه قبل أن تفرغ العصافير من تسبيحها، مشمراً عن ساعدين قويين ألفا مواجهة الصعوبات والأهوال، حاملاً بيمناه تلك العتلة كرمحٍ يماني لا يخطئ هدفه أبداً، مرتدياً فوطته الحجازية (السمرندا) المصنوعة من القطن الطبيعي وفانيلته القطنية ماركة (أبو عسكري)، متوجهاً نحو الحد الجنوبي من ذلك الجبل الشامخ بصخوره النارية الجرانيتية، يدكها دكاً بعتلته الشديدة والتي لا يوازيها في شدتها سوى عضلات ساعديه.
كنت أرافقه طفلاً صغيراً دون سن الحلم وهو يقوم بمهامه تلك كل صباح، سائلاً إياه: يا أبي لمن تغني؟!
فأشار بطرف حاجبه لعصفورين يبنيان عشهما على غصن شجرة سدرٍ مجاورة لبيتنا، ثم استمر في الغناء وفي ضرب صدر الصخور بقوة لا تُقهر، طمعاً في أن يزيد مساحة بيتنا بضعة أمتار تُضاف إليه.
مرت السنوات تلو السنوات تلو السنوات، كَبُر والدي وتغلغل في داخل جسده ذلك الذئب الرمادي الشرس (المرض)، الذي أخذ ينهش لحمه ويلوك عظامه، حتى أضحى ذلك العملاق أثراً بعد عين.
كانت آخر زياراتي له في المستشفى على سرير الموت قبل رحيله ببضع ساعات.
مددت له يدي وقلت له: تقاويني؟
ابتسم ومدّ يده إليّ، تظاهرتُ بالضعف أمام ضعفه وأرخيت يدي، قبل أن يرخي هو يده في مساء تلك الليلة وللأبد."

تعليقات
إرسال تعليق