سرقوا الحلم… وبقيتُ أنا


كتبت /ا. د. ناهدة محمد ذيب عمران

لم يكن الذي أخذوه مني شيئًا يُرى بالعين، ولا شيئًا يمكن أن أسترده من متجرٍ أو صندوقٍ أو درجٍ قديم.

لقد أخذوا حلمًا…

حلمًا كنت أربيه في داخلي بصمت، وأسقيه من صبري، وأخبئه عن أعين الخائفين من الفرح.
كنت أراه يكبر كلما ضاقت بي الحياة، وأقول لنفسي:
لا بأس… ربما تأخر الفرح، لكنه قادم.

كنت أؤمن أن الإنسان، مهما أتعبته الحياة، يستحق في آخر الطريق قلبًا يطمئن إليه، ويدًا لا تتركه حين يشتد التعب، ووجهًا يشعر أمامه أنه لا يحتاج إلى ارتداء قناع القوة.

كنت أريد حياةً تشبهني…
هادئة، صادقة، لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تُفهم.

لكن أحدهم جاء، ودخل إلى المساحة التي كنت أحرسها بكل ما أملك، ثم ترك فيها من الفوضى ما جعلني أشك حتى في أحلامي.

لم يسرق مني شخصًا فقط…

سرق صورةً كنت قد رسمتها للغد.

سرق يقيني بأن بعض الوعود تُقال لتُحفظ، وأن بعض القلوب حين تقترب لا تأتي لتغادر، وأن الإنسان يستطيع أن يضع رأسه على كتف أحدهم دون أن يخشى أن يستيقظ ذات صباح فلا يجد سوى الفراغ.

بعده، تغيّرت أشياء كثيرة في داخلي.

صرت أخاف من البدايات الجميلة، لأنني عرفت أن بعض البدايات تأتي متخفية في هيئة نجاة، ثم تكشف عن نفسها متأخرةً كجرح.

صرت أكثر حذرًا من الكلمات الكبيرة، وأكثر صمتًا أمام الوعود، وأكثر انتباهًا للتفاصيل الصغيرة التي كنت في السابق أتجاوزها باسم الحب والثقة وحسن الظن.

ولوقتٍ طويل، ظننت أنني خسرت.

كنت أسأل نفسي:

ماذا يفعل الإنسان حين يُسرق منه حلمٌ انتظر لأجله سنوات؟

كيف يعيد بناء شيءٍ تهدّم داخله دون أن يملك حتى الرغبة في البناء؟

ثم اكتشفت الحقيقة التي تأخرت كثيرًا في فهمها…

أنهم لم يسرقوا الحلم كله.

لقد سرقوا الصورة التي رسمتها له.

أما الحلم نفسه، فقد بقي في مكانٍ أعمق مني.

بقي في قدرتي على أن أبدأ من جديد.
في قلبي الذي، رغم كل شيء، لم يتحول إلى حجر.
في عيني التي ما زالت تبحث عن الضوء.
في يدي التي ما زالت قادرة على الكتابة.
وفي روحي التي تعلمت أن النجاة ليست أن تنسى ما حدث، بل أن تمنحه حجمه الحقيقي ثم تتجاوزه.

اليوم، لم أعد أريد أن يعود أحد.

ولا أريد تفسيرًا متأخرًا، ولا اعتذارًا يجيء بعدما أصبح الاعتذار بلا معنى.

لقد كبرتُ بما يكفي لأعرف أن بعض الأبواب حين تُغلق، لا ينبغي أن نقف خلفها طويلًا نطرقها.

هناك أبواب أخرى تنتظرنا…

لكنها لا تُفتح ونحن منشغلون بالبكاء على الباب القديم.

لذلك أخذت أحلامي من بين الركام.

غسلت عنها غبار الخيبة.

وأعدت كتابتها من جديد.

هذه المرة، لم أكتب اسم أحد بجانبها.

كتبت اسمي أنا.

لأنني فهمت أخيرًا أن أجمل أمنية يمكن أن يمنحها الإنسان لنفسه هي ألا يجعل مستقبله رهينةً لشخص آخر.

سأحب، إن جاء الحب، لكنني لن أضيّع نفسي فيه.

سأثق، لكنني لن أتخلى عن بصيرتي.

سأحلم، لكنني لن أضع مفاتيح أحلامي في يد أحد.

وسأمضي…

ليس لأنني لم أتألم، بل لأنني تألمت بما يكفي لأعرف قيمة النجاة.

ربما سرقوا مني فصلًا كنت أظنه أجمل فصول حياتي.

لكنهم لم يستطيعوا سرقة الكتاب.

وها أنا أفتح صفحةً جديدة…

أكتب فيها امرأةً لا تنتظر من ينقذها، ولا تستجدي من يعيد إليها ما فقدته.

امرأةً عرفت أن بعض الخسارات ليست نهاية الطريق، بل الطريقة القاسية التي تعلمنا بها كيف نعود إلى أنفسنا.

لهذا، حين يسألني أحدهم يومًا:

ماذا بقي لكِ بعد كل ما حدث؟

لن أقول: لا شيء.

سأبتسم وأقول:

سرقوا الحلم… وبقيتُ أنا.

وبقيتُ أنا…

وكان بقائي، وحده،
أكبر من كل حلمٍ ظننت يومًا أنني فقدته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية