من يملك وقتك يملك قرارك

 


د. الشيماء المشد 

استاذ مشارك إدارة الأعمال-كليات الشرق العربي 

تفتح هاتفك لتقرأ رسالة، فتجد نفسك تتنقّل بين مقطع قصير وإعلان واقتراح لمنتج، ثم تكتشف أن نصف ساعة قد مضت. لم تكن تنوي البقاء، ولم تبحث عن معظم ما شاهدته، لكن شيئًا ما نجح في تأجيل لحظة خروجك. يبدو الأمر عاديًا، وربما يتكرر دون أن يلفت انتباهك. غير أن السؤال يستحق التوقف: هل فقدت بعض الوقت فحسب، أم منحت ما شاهدته فرصة للتأثير فيما ستفكر فيه وتختاره لاحقًا؟


في عالم تتزاحم فيه الرسائل، أصبح انتباه الإنسان موردًا تتنافس عليه جهات كثيرة. فالعلامة التجارية تريد أن تتذكرها، وصانع المحتوى يريد أن تتابعه، والمنصة تريد أن تعود إليها. ولكل طرف هدفه، لكن الطريق إلى هذه الأهداف يمر عبر دقائق يومك. لذلك، فإن الوقت الذي يبدو لك فترة انتظار قصيرة قد يمثّل فرصة ثمينة لمن يريد أن يعرض عليك فكرة أو خدمة أو أسلوب حياة.


والمنافسة هنا تتجاوز الإعلان المباشر. فقد تأتي الرسالة في صورة تجربة شخصية، أو نصيحة تبدو عابرة، أو قصة تُثير الفضول. وبينما تتداخل المتعة مع التسويق، يصبح من الصعب أحيانًا تحديد اللحظة التي انتقلنا فيها من مشاهدة المحتوى إلى الرغبة في امتلاك ما يعرضه. تبدأ الحكاية بمنتج لم نكن نعرفه، ثم نراه مرارًا، فنفكر في تجربته، وربما نبحث بعد ذلك عن مبررات لشرائه.


لا يعني هذا أن كل اختيار تصنعه الشاشة، أو أن الإنسان فقد قدرته على الحكم. لكنه يدعونا إلى تأمّل الظروف التي تتكوّن داخلها اختياراتنا. فنحن لا نختار دائمًا بين جميع البدائل المتاحة؛ كثيرًا ما نختار بين البدائل التي وصلت إلينا وحظيت بوقت كافٍ من انتباهنا. وما يتكرر أمامنا قد يصبح أكثر حضورًا في أذهاننا من بدائل أخرى لم تتح لها فرصة الظهور.


تخيّل أنك تفكر في قضاء إجازة هادئة. تشاهد مقطعًا عن وجهة سياحية، ثم تقضي بعض الوقت في متابعة تجارب السفر إليها. وبعد أيام، تجد نفسك تقارن أسعار الفنادق في تلك الوجهة تحديدًا. ربما تكون مناسبة لك بالفعل، لكن من المفيد أن تسأل: هل اخترتها بعد مقارنة واعية، أم أصبحت نقطة البداية لأنها استحوذت على الجزء الأكبر من انتباهك؟ الفرق دقيق، لكنه يكشف كيف يستطيع المحتوى أن يحدد إطار القرار قبل أن نتخذ القرار نفسه.


ويمتد الأمر إلى نظرتنا لحياتنا. فقضاء وقت طويل أمام صور النجاح والاستهلاك قد يجعلنا نقيس واقعنا بما يُعرض علينا، رغم أننا نشاهد أجزاء منتقاة من حياة الآخرين. عندها قد تتحول بعض الرغبات إلى شعور بالنقص: هاتف يحتاج إلى الاستبدال، ومظهر يحتاج إلى التغيير، وتجربة ينبغي خوضها حتى لا نشعر بأننا متأخرون. وهنا تصبح مراجعة مصادر رغباتنا ضرورية بقدر مراجعة قدرتنا على تلبيتها.


ومن زاوية تسويقية، يثير ذلك سؤالًا عن مسؤولية من يصمم الرسالة والتجربة. هل تُقاس جودة العلاقة مع العميل بطول الوقت الذي يقضيه، أم بالقيمة التي يحصل عليها؟ قد يستغرق العميل وقتًا طويلًا لأنه مستمتع ومستفيد، وقد يستغرقه لأنه لا يجد المعلومة بسهولة أو يواجه خطوات مربكة. لذلك، لا يكفي أن نحتفي بالدقائق؛ ينبغي أن نفهم ما الذي حدث خلالها، وهل خرج العميل أكثر قدرة على الاختيار.


أما على المستوى الفردي، فتبدأ استعادة الوقت بلحظة انتباه صغيرة: لماذا فتحت هذا التطبيق؟ وهل ما زلت أستخدمه للغرض نفسه؟ ويمكن أن يساعد تأجيل الشراء غير المخطط له، وتقليل الإشعارات، وإتاحة وقت بعيد عن تدفق المحتوى، في منح الأفكار فرصة للهدوء قبل أن تتحول إلى قرارات. لسنا بحاجة إلى مقاطعة العالم الرقمي، بقدر حاجتنا إلى استخدامه بقصد واضح.


من يملك وقتك لا يملك قرارك بالكامل، لكنه يحصل على فرصة متكررة للمشاركة في تشكيله. ولهذا فإن حماية الانتباه تتجاوز تنظيم ساعات اليوم؛ إنها تتعلق بالمساحة التي نحتاجها لنفهم ما نريده فعلًا. وقبل أن نسأل أنفسنا: «ماذا سأختار؟»، ربما يجدر بنا أن نسأل: «كيف أصبحت هذه الخيارات هي التي أمامي؟».

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية