مصر والطاقة الشمسية.. من وفرة الموارد إلى صناعة النفوذ في إفريقيا

كتبت /د. فايزة خطاب

دكتوراه التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية – جامعة عين شمس

باحثة الدراسات السياسية والاستراتيجية


لم تعد الطاقة في النظام الدولي المعاصر مجرد مورد اقتصادي ترتبط به حركة الإنتاج والنمو، بل أصبحت أحد مكونات القوة الشاملة للدولة، وأداة مؤثرة في صياغة علاقاتها ومصالحها وموقعها داخل محيطها الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، يكتسب التحول المتسارع نحو الطاقة الشمسية في إفريقيا أهمية تتجاوز الاعتبارات البيئية والتنموية، ليمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والاستراتيجية للقارة.


وتبرز مصر بصورة واضحة في هذا التحول؛ إذ تشير تقديرات مركز «إمبر» لأبحاث الطاقة، بالتعاون مع مختبر مستقبل التكنولوجيا الإفريقية (ATFL)، إلى أن مصر مرشحة لإضافة نحو 2 جيجاوات من قدرات الطاقة الشمسية خلال عام 2026، لتحتل المركز الثاني إفريقيًا من حيث الإضافات الجديدة، بزيادة تقدر بنحو 176% مقارنة بعام 2025. وفي الوقت نفسه، يتوقع التقرير أن تصل الإضافات الجديدة للطاقة الشمسية في القارة الإفريقية إلى نحو 17 جيجاوات خلال عام 2026، بزيادة تبلغ 45% مقارنة بعام 2025، بعد نمو بلغ 51% في 2025 و25% في 2024.


ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في ترتيب مصر فقط، وإنما في دلالتها على طبيعة التحول الذي يشهده قطاع الطاقة المصري. فزيادة القدرات الشمسية بهذا المعدل تعكس انتقال مصر من مرحلة الاستفادة من مواردها الطبيعية إلى توظيفها ضمن رؤية اقتصادية أوسع تتداخل فيها الطاقة مع الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والبنية الأساسية والتجارة الخارجية.


وتأتي هذه التطورات امتدادًا لمسار بدأته الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، من خلال تنويع مزيج الطاقة والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة وتطوير البيئة الاستثمارية المرتبطة بها. وقد شكل مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان أحد أبرز النماذج على قدرة مصر على استقطاب الاستثمارات الكبرى في الطاقة النظيفة وتحويل مواردها الشمسية إلى مشروعات إنتاجية ذات أثر اقتصادي وتنموي واسع.


غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، وإنما ترتبط بقدرة مصر على بناء سلسلة قيمة متكاملة للطاقة الجديدة تشمل التصنيع، وأنظمة التخزين، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر، وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة. فالمعادلة الاستراتيجية لم تعد فقط: كم جيجاوات يمكن إنتاجها؟ وإنما: ما القيمة الاقتصادية والصناعية التي يمكن أن تبنيها مصر حول هذه القدرات؟


وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في هذه المعادلة باعتبارها منصة يمكن من خلالها الربط بين الطاقة النظيفة والتصنيع والموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية. فوجود مشروعات مرتبطة بالطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء داخل المنطقة يتيح بناء قاعدة صناعية يمكن أن تخدم السوق المصرية، وتمتد مستقبلًا إلى أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، مستفيدة من الموقع الجغرافي لقناة السويس وشبكة الموانئ والبنية الأساسية المتطورة.


ومن منظور العلاقات الدولية، فإن امتلاك الدولة لمصادر الطاقة والتكنولوجيا والبنية الصناعية والقدرة على التصدير يمنحها أدوات إضافية لبناء الشراكات وتعزيز التأثير. ولذلك يمكن للطاقة الشمسية أن تتحول إلى أحد روافد القوة الاقتصادية المصرية في إفريقيا، خاصة مع اتساع احتياجات القارة إلى الكهرباء وتطوير بنيتها الأساسية للطاقة.


وتكشف الاتجاهات الإفريقية أن التحول الشمسي لم يعد مقتصرًا على عدد محدود من الأسواق الكبرى، بل أصبح أكثر انتشارًا واتساعًا. ويشير ذلك إلى نشوء سوق إفريقية واعدة للطاقة النظيفة، ستتزايد فيها المنافسة على الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات وسلاسل الإمداد، وليس فقط على إنتاج الكهرباء.


وتمنح هذه التطورات مصر فرصة مزدوجة؛ فمن ناحية، تستطيع تعزيز أمنها الطاقي وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء، ومن ناحية أخرى يمكنها توظيف خبراتها وقدراتها الاستثمارية والصناعية في بناء شراكات إفريقية في مجالات الطاقة الشمسية، والتدريب، ونقل الخبرات، وتطوير المشروعات.


وتزداد أهمية هذه الفرصة مع الموقع الجغرافي لمصر الذي يجعلها حلقة وصل بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، إلى جانب امتلاكها قناة السويس وشبكة من الموانئ والبنية الأساسية للطاقة. ومن ثم، فإن الميزة المصرية لا تتمثل في الموارد الشمسية وحدها، وإنما في القدرة على الجمع بين الموقع والموارد والبنية الأساسية والأسواق ضمن منظومة اقتصادية واحدة.


ويكتسب تخزين الطاقة أهمية خاصة في هذه المرحلة؛ لأن التوسع في الطاقة الشمسية يتطلب حلولًا أكثر كفاءة لإدارة الطبيعة المتغيرة للتوليد على مدار اليوم. ولذلك فإن تطوير البطاريات وأنظمة التخزين والشبكات الذكية يمثل أحد مفاتيح تعظيم الاستفادة من الاستثمارات الجديدة، ويفتح في الوقت ذاته مجالًا صناعيًا وتقنيًا جديدًا أمام الاقتصاد المصري.


وترتبط هذه المنظومة كذلك بفرص الهيدروجين الأخضر والصناعات منخفضة الانبعاثات، بما يسمح بربط الطاقة الشمسية بمسارات أوسع للتحول الاقتصادي. وتملك مصر في هذا المجال عناصر مهمة تتمثل في وفرة مصادر الطاقة المتجددة، والموانئ، والبنية الأساسية، والموقع الجغرافي، بما يمكن أن يدعم توجهها نحو إنتاج وتصدير الطاقة والمنتجات الخضراء.


وعلى المستوى الإفريقي، فإن السباق المقبل لن يكون على عدد محطات الطاقة الشمسية فقط، وإنما على امتلاك اقتصاديات الطاقة الجديدة؛ من التكنولوجيا والتصنيع والتخزين إلى التمويل والكوادر البشرية وسلاسل الإمداد والأسواق. وهنا تصبح قدرة مصر على زيادة المكون المحلي وتوطين المعرفة والتكنولوجيا عاملًا حاسمًا في تحويل النمو في القدرات الشمسية إلى قيمة مضافة مستدامة.


كما أن تعزيز الربط الكهربائي مع الدول العربية والإفريقية والأوروبية يمكن أن يضيف بعدًا جديدًا للدور المصري، من خلال تحويل البنية الأساسية للطاقة إلى منصة للتكامل الإقليمي وتبادل الطاقة وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة.


وبذلك، فإن صعود الطاقة الشمسية في مصر لا ينبغي قراءته باعتباره تحولًا تقنيًا فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل عناصر القوة المصرية. فالدولة التي تنجح في الجمع بين الموارد الطبيعية والتكنولوجيا والاستثمار والتصنيع والبنية الأساسية والقدرة على الوصول إلى الأسواق تستطيع أن تحول التحول العالمي في الطاقة إلى فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي.


وتشير التقديرات إلى أن إفريقيا تتجه لإضافة عاليه من الطاقة الشمسية خلال عام 2026، وهو ما يعكس سرعة التحول في سوق لا تزال تمتلك إمكانات ضخمة للنمو. وفي ظل هذا السياق، تمتلك مصر فرصة حقيقية للانتقال من وفرة الموارد إلى صناعة النفوذ؛ أي من امتلاك مقومات طبيعية مواتية للطاقة الشمسية إلى توظيفها في بناء قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية أكثر اتساعًا.


ومن هنا، فإن المركز الثاني الذي تحققه مصر في الإضافات الشمسية المتوقعة خلال 2026 ليس مجرد ترتيب في مؤشر للطاقة، بل مؤشر على تنامي حضورها في اقتصاد الطاقة الجديد في إفريقيا. وإذا نجحت في استكمال الربط بين إنتاج الطاقة وتوطين الصناعة والتكنولوجيا والتخزين والتصدير والربط الإقليمي، فإن الطاقة الشمسية ستتجاوز دورها كمصدر متجدد للكهرباء لتصبح أحد روافع القوة الاقتصادية والاستراتيجية المصرية، وأداة لبناء النفوذ والشراكات في إفريقيا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية