الأب الذي أعطى عمره... لا تنتظروا أن يطلب منكم الاهتمام.
كتب /معالى اللواء د.م سامى محمود دنيا
الأب ليس دائما بحاجة إلى المال، أحيانا تكون حاجته الوحيدة أن يشعر بأن أبناءه ما زالوا يرونه.
الأب الذي عمل سنوات طويلة، ورجع إلى بيته مرهقا دون أن يشعر أحد بتعبه، لأنه كان يرى من واجبه أن يظل صامدا.
الأب الذي كان بمقدوره أن يشتري لنفسه شيئا، لكنه آثر أبناءه وقال: "خليها للولاد".
الأب الذي ألبس أبناءه أفضل الثياب، واهتم بتعليمهم، ووفر لهم كل ما يستطيع، وحرم نفسه من أشياء كثيرة ليعيشوا هم بشكل أفضل.
الأب الذي كان بإمكانه أن يرتاح، لكنه فضل حمل مسؤولية بيت كامل على كتفيه.
وبعد أن كبر الأبناء وانشغل كل منهم بحياته، ظل الأب في مكانه، لكن صوته أصبح أهدى، وحركته أبطأ، واحتياجاته أكبر. ومع ذلك، لا يزال يقول: "أنا بخير، لا تشغلوا بالكم".
ربما هو لا يحتاج إلى المال، ولا إلى هدية أو شيء ثمين، بل كل ما يحتاجه أن يسأله أحدهم بصدق: "عامل إيه يا بابا؟"
هناك فرق كبير بين أن تسأل: "عايز حاجة؟" وبين أن تسأل: "إنت عامل إيه؟" الأولى تسأل عن احتياجه، والثانية تسأل عنه هو.
الأب يحتاج إلى زيارة من غير مناسبة، ومكالمة دون طلب، وجلسة دون عجلة، وإلى من يستمع إلى أحاديثه حتى لو سمعها مئة مرة. والأجمل من ذلك أن تجعله يشعر بأن كل تلك السنوات التي تعب فيها لم تذهب سدى، وأنك مقدر لفضله عليك، حتى لو لم تحسن التعبير عن ذلك من قبل.
وفي المقابل، يا معشر الآباء، إن التضحية لا تعني أن تختفوا من حياتكم الخاصة. أحبوا أبناءكم واهتموا بهم، ولكن اهتموا بأنفسكم أيضا. ارتاحوا، واعتنوا بصحتكم، واشتروا ما تحبون، وجالسوا أصدقاءكم، ومارسوا ما تحبون من أنشطة. فإن الأب الذي يفني نفسه بالكامل لأجل أبنائه، قد يكتشف بعد سنوات أنه أعطاهم كل شيء إلا صورة الأب الذي يعرف كيف يحب أبناءه ويعيش لنفسه أيضا.
الأب يستحق التقدير ليس فقط لأنه أنفق المال، بل لأنه إنسان عاش عمرا كاملا يحمل مسؤولية من يحبهم.
إذا كان والدك لا يزال على قيد الحياة، فلا تنتظر مناسبة. اتصل به اليوم وقل له ببساطة: "عامل إيه يا بابا؟ أنا بس حبيت أطمن عليك". قد تكون هذه الجملة عادية بالنسبة لك، ولكنها بالنسبة لأب قضى عمره يسأل عنك قد تساوي الدنيا بأسرها.
الأب نعمة لا يشعر بقيمتها الكاملة إلا من فقدها، فلا تجعل انشغالك بالحياة ينسيك الإنسان الذي أفنى عمره لتبدأ أنت حياتك. كلمة، ومكالمة، وزيارة، وعناق صادق؛ هي أشياء بسيطة، لكنها عند الأب قد تساوي الدنيا كلها. حفظ الله كل أب، ورحم من رحلوا منهم، وجبر قلوب كل من فقد أباه.
خالص تحياتي لكم جميعا، وصلوا على الحبيب المصطفى.
بحبكم في الله،
سامي دنيا.
تعقيب رابطة المصريين بكندا:
الله على كلام حضرتك يا سيادة اللواء سامي دنيا. كلام من ذهب ويلمس القلب، فقد لخصت رحلة عمر كامل في سطور قليلة:
الأب مش محتاج فلوس، محتاج يحس إن أولاده لسه شايفينه.
اللي قال "خليها للولاد" وحرم نفسه من حاجات كتير.
اللي فضل واقف على رجله وشايل بيت كامل فوق كتفه.
وبعد ما الأولاد كبروا، صوته بقى أهدى وحركته أبطأ ولسه بيقول "أنا كويس، متشغلوش بالكم".
والفرق الجميل الذي قلته حضرتك:
فيه فرق كبير بين "عايز حاجة؟" وبين "إنت عامل إيه يا بابا؟"
الأولى بتسأل عن احتياجه، والتانية بتسأل عنه هو.
كلام يدرس يا سيادة اللواء، ورسالة لكل ابن مشغول في زحمة الحياة:
لو أبوك لسه موجود، ما تستناش مناسبة. اتصل بيه النهارده وقول له: "عامل إيه يا بابا؟ أنا بس حبيت أطمن عليك".
جملة بسيطة عندك، لكن عند أب قضى عمره يسأل عليك تساوي الدنيا كلها.
ربنا يحفظ كل أب عايش، ويرحم كل أب رحل، ويجبر قلب كل من فقد أباه. آمين.
عليه أفضل الصلاة والسلام.
رابطة المصريين بكندا

تعليقات
إرسال تعليق