استقلال ارتكاب الجرائم ضد الانسانية عن النزاعات المسلحة


كتبت الدكتورة/ رانيه يوسف صافي

يثور في بعض الأذهان تساؤلًا مفاده هل يشترط الارتباط بين ارتكاب الجرائم ضد الانسانية والنزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية؟

بداية يجب القول ان فكرة الارتباط بين ارتكاب الجرائم ضد الانسانية ووجود حالة حرب ظهرت لاول مرة في ميثاق المحكمة العسكرية في نورمبرغ ومحكمة طوكيو وهذا يعني ان اختصاص المحكمتين بالجرائم ضد الانسانية لم يكن معقوداً إلا على التي لها صلة بالحرب مما يعني اشتراط الارتباط بينهما ، ولكن ما هو موقف المحاكم الدولية الجنائية والمجتمع الدولي والصكوك الدولية من مسألة الارتباط بين الجرائم ضد الانسانية ووجود نزاع مسلح بعد ذلك؟ لا بد من الاشارة الى ان المحاكم الدولية الجنائية اختلفت حول هذه المسألة فالمادة (5) من النظام الاساسي لمحكمة يوغسلافيا اشترط وجود ارتباط بين الجرائم ضد الانسانية والنزاعات المسلحة الدولية اوغير الدولية ، اما المادة (3) من النظام الاساسي لمحكمة رواندا فلم تشترط وجود مثل هذا الارتباط ، كما لم تشترط المادة (18) من مشروع مدونة الجرائم المخلة بسلم الانسانية وامنها لعام 1996 أيضاً الارتباط بين ارتكاب الجرائم ضد الانسانية ووجود نزاع مسلح . أما بالنسبة للمحكمة الدولية الجنائية الدائمة فقد ثارت في الاعمال التحضيرية التي سبقتها مشكلة الارتباط وانقسمت الدول الى اتجاهين الاول يرى ان الجرائم المرتكبة ضد الانسانية يمكن ان ترتكب وقت السلم وفي اطار اعمال منهجية كما يمكن ان ترتكب وقت النزاعات المسلحة اما الثاني وقد أيدتة غالبية الدول العربية فيرى ان الجرائم ضد الانسانية التي يجب ادراجها في النظام الاساسي هي الجرائم التي ترتكب في حالة النزاعات المسلحة وليس التي ترتكب وقت السلم.

بل ان بعض الوفود المشاركة ذهبت الى وجوب ارتباط الجرائم ضد الانسانية بالنزاع المسلح الدولي فقط.

ومن المؤكد اليوم ان الرأي الاول هو الأصوب لان غالبية الصكوك الدولية والاجتهادات الفقهية القانونية والتحليلات العلمية اوضحت انه لا يوجد التزام بان تكون هذه الجرائم قد ارتكبت إبان صراعات مسلحة لكي تعد جرائم ضد الانسانية. وانا بدوري أؤيد الرأي الاول كذلك واستند الى الحجج الآتية :

ان اتجاه المحكمتين العسكريتين (نورمبرغ وطوكيو) في ربط الجرائم ضد الانسانية مع وجود حالة حرب له ما يبرره حيث ان هاتين المحكمتين لم يكونا محكمتين دوليتين جنائيتين بمعنى الكلمة بل محكمتين عسكريتين منشأتين بارادة المنتصر للنظر في الجرائم المرتكبة في الحرب العالمية الثانية واشتراط الارتباط هذا لم يكن القصد منه ان يكون الارتباط ركناً في تعريف الجريمة ضد الانسانية بل وضع القيد على اختصاص المحكمة الزماني

فضلًا عن أن هناك العديد من الاتفاقيات الدولية التي أبرمت بعد المحكمتين وكان لها صلة بالجرائم ضد الانسانية إلا انها لم تشترط الارتباط بينها وبين النزاعات المسلحة نذكرمنها على سبيل المثال اتفاقية عدم تقادم الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب عام 1968 وكذلك مبادئ التعاون الدولي لتعقب مرتكبي الجرائم     ضد الانسانية وجرائم الحرب عام 1973

ورغم ان النظام الاساسي لمحكمة يوغسلافيا قد اشترطت في المادة (5) منها الارتباط إلا ان تقرير الامين العام الذي قدمه الى مجلس الامن لوضع تصوراته عن نظام المحكمة في ذلك الوقت جاء ليفسر النص المذكور بقوله (ان صياغته العامة وسياق النظام العام ككل تفيد بان الجرائم ضد الانسانية قد ترتكب خارج نطاق الصراعات المسلحة كلية دولية كانت ام غير دولية) ، كما ان المحكمة نفسها لم تشترط الارتباط عند نظرها واصدارها للاحكام القانونية ، إذ ذهبت المحكمة إلى القول في حكمها الصادر في قضية(Tadic)  أن القانون الدولي العرفي لا يشترط وجود صلة  بين الجرائم ضد الانسانية والنزاع المسلح).

وهذا هو اتجاه المحكمة الدولية لرواندا اذا لم يشترط المادة (3) هذا الارتباط. واتجاه المحكمة الدولية الجنائية الحالية إذ جاء النظام الاساسي الخاص بها خالياً من شرط الارتباط بين الجرائم ضد الانسانية والنزاع المسلح .

وختامًا ان اشتراط الارتباط امر غير منطقي إذ يترتب عليه ان تصبح هذه الجرائم مطابقة لجرائم الحرب وفي هذا تجاهل للتطور الحاصل في مجال فقه القانون الدولي الجنائي في اعتبار ان هناك استقلال بين الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب لما فيه من انكار لحقوق الانسان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية