ليال الظلام

 كتبت / رانيا جمال

هناك ليالٍ لا يأتي فيها الظلام من السماء، بل يخرج من أعماق القلب...

ليالٍ يجلس فيها الإنسان وحيدًا، يحدّق في سقف غرفته، بينما تتزاحم في رأسه الذكريات والأسئلة. يتساءل: لماذا حدث كل هذا؟ لماذا رحل من أحب؟ لماذا انكسر الحلم الذي ظل ينتظره طويلًا؟ ولماذا تبدّلت أشياء كثيرة في لحظة واحدة؟


إنها ليالي الظلام... تلك الساعات التي يبدو فيها الليل أطول من المعتاد، ويصبح الصمت ثقيلًا، وتصبح الذكريات أكثر حضورًا من الواقع.


وفي تلك اللحظات، قد يشعر الإنسان أنه فقد قدرته على الاستمرار، وأن الطريق أمامه أصبح بلا نهاية. لكن الحقيقة التي لا ندركها ونحن في قلب الألم، أن الظلام مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر من الوصول.


فالحياة لا تسير دائمًا كما نريد، ولا تمنحنا كل ما نتمنى. أحيانًا تأخذ منا أشخاصًا كانوا بالنسبة إلينا وطنًا، وأحيانًا تغلق أبوابًا كنا نظن أنها ستظل مفتوحة، وأحيانًا تجبرنا على البدء من جديد بعدما ظننا أننا وصلنا إلى النهاية.


لكن خلف كل ألم درس، وخلف كل فقد حكمة، وخلف كل ليلة طويلة فجر ينتظر وقته.


ربما لا نستطيع أن ننسى من فقدناهم، وهذا ليس مطلوبًا أصلًا؛ فبعض الأشخاص لا يغادرون حياتنا حتى بعد رحيلهم، بل يسكنون في الدعاء، وفي الذكريات، وفي تفاصيل صغيرة تذكّرنا بهم كل يوم.


وربما لا تعود قلوبنا كما كانت بعد بعض الصدمات، لكنها تصبح أكثر نضجًا، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على فهم أوجاع الآخرين.


يا من تعيش الآن إحدى لياليك المظلمة... لا تستسلم.


لا تحكم على حياتك من فصلٍ واحد، ولا تظن أن ما يؤلمك اليوم سيؤلمك بالطريقة نفسها غدًا. الأيام تتغير، والقلوب تتعافى، والأقدار تحمل في طياتها من المفاجآت ما لا يخطر لنا على بال.


ضع حزنك بين يدي الله، وتحدث إليه بكل ما عجزت عن قوله للآخرين. أخبره عن خوفك، عن وجعك، عن الشخص الذي تشتاق إليه، وعن الحلم الذي انكسر بداخلك.


ثم اطمئن...


فالله يعلم ما لا تستطيع الكلمات وصفه، ويعلم كم مرة ابتسمت أمام الناس بينما كان قلبك يبكي.


وتذكّر دائمًا أن أجمل ما في الفجر أنه يأتي بعد أشد ساعات الليل ظلمة.


قد تتأخر بشارتك، لكن تأخرها لا يعني أنها لن تأتي.


وقد يطول الطريق، لكن طول الطريق لا يعني أنك لن تصل.


وربما تكون هذه الليلة التي تظن أنها نهايتك، هي نفسها البداية لحياة جديدة لم تكن تتخيلها.


فلا تخف من الظلام... ففي قلب كل عتمة وعدٌ بنور.


دعاء


اللهم في ليالي الظلام، أنر قلوبنا بنورك، واملأ أرواحنا سكينةً وطمأنينة.

اللهم اجبر كل قلبٍ أنهكه الحزن، وكل روحٍ أثقلها الفقد، وكل إنسانٍ يخوض معركةً لا يعلم بها إلا أنت.

اللهم ارحم من سبقونا إليك، وأنزل على قبورهم نورًا ورضوانًا، واجمعنا بهم في جناتك حيث لا فراق ولا وجع.

اللهم اجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الحزن فرحًا، وبعد الخوف أمانًا، وبعد كل ليلٍ فجرًا جميلًا.

آمين يا رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية