إلى أين؟
كتبت /الإعلامية رانيا جمال
في لحظةٍ ما، قد يتوقف الإنسان أمام نفسه، لا أمام المرآة، ويسأل سؤالًا يبدو بسيطًا في كلماته، لكنه ثقيلٌ في معناه: إلى أين؟
إلى أين نمضي بكل هذا التعب؟
وإلى أين تقودنا الطرق التي اخترناها يومًا ونحن نظن أنها ستأخذنا إلى الأمان؟
وإلى أين نذهب حين يصبح المكان الذي اعتدنا أن نسميه «وطنًا» مجرد جدران، والأشخاص الذين ظننا أنهم سندٌ لنا مجرد ذكريات؟
نمضي كثيرًا، لكننا لا نصل دائمًا.
نركض خلف أحلامنا، ثم نكتشف أن بعضها لم يكن يشبهنا من الأساس. نتمسك بأشخاصٍ خوفًا من الوحدة، فنخسر أنفسنا ونحن نحاول الاحتفاظ بهم. نصمت حفاظًا على علاقاتٍ لم تعد تعرف معنى الصدق، ونبتلع وجعنا حتى لا نبدو ضعفاء، ثم يأتي يومٌ نعجز فيه عن معرفة الشخص الذي ينظر إلينا من المرآة.
الأصعب من أن تضيع في الطريق، أن تكتشف أنك كنت تسير طويلًا في الاتجاه الخطأ.
ومع ذلك، لا يعني اكتشاف الخطأ أن الحكاية انتهت.
فالحياة لا تسألنا كم مرة تعثرنا، وإنما تمنحنا دائمًا فرصةً لنقرر: هل سنبقى حيث أرهقنا أنفسنا، أم نمتلك شجاعة الرحيل؟
هناك أشياء لا تحتاج إلى إصلاح، بل تحتاج إلى نهاية.
وأشخاص لا يحتاجون إلى فرصة جديدة، بل يحتاجون إلى مسافة.
وأماكن لا ينبغي أن نعود إليها مهما اشتقنا إليها، لأننا نعرف جيدًا أنها لم تعد تمنحنا سوى الألم.
نحن لا نخسر دائمًا عندما نرحل.
أحيانًا تكون الخسارة الحقيقية أن نبقى في المكان نفسه، بالشخصية نفسها، والوجع نفسه، وننتظر نتيجة مختلفة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في منتصف الطريق أن يتوقف قليلًا، لا ليستسلم، وإنما ليعيد النظر في اتجاهه.
يسأل نفسه بصدق:
هل أنا سعيد حقًا؟
هل الأشخاص من حولي يضيفون إلى حياتي أم يستنزفونها؟
هل ما أفعله اليوم يقودني إلى الحياة التي أتمناها غدًا؟
وهل ما زلت أنا... أم أصبحت نسخةً صنعها الآخرون لإرضائهم؟
قد لا نملك إجابةً واضحة عن سؤال «إلى أين؟»، لكننا نملك شيئًا أهم: القدرة على اختيار الخطوة القادمة.
فلا بأس أن نغيّر الطريق.
لا بأس أن نبدأ من جديد.
لا بأس أن نعترف بأن بعض اختياراتنا لم تكن صحيحة.
ولا بأس أن نغلق بابًا ظللنا سنوات نطرقه، فقط لأننا أدركنا أخيرًا أن خلفه لم يعد هناك شيء ينتظرنا.
العمر ليس طويلًا إلى الحد الذي يسمح لنا بأن نعيش حياةً لا تشبهنا.
لذلك، حين تسأل نفسك ذات مساء: إلى أين؟
لا تخف من السؤال...
ربما يكون هذا السؤال تحديدًا هو أول علامةٍ على أنك بدأت تبحث عن الطريق الصحيح.
فالمهم ليس أن نعرف إلى أين نمضي منذ البداية، بل أن نملك الشجاعة كي نتوقف عندما نكتشف أننا نمضي بعيدًا عن أنفسنا.

تعليقات
إرسال تعليق