العراق بين النفوذ والسيادة هل يستطيع القرار الوطني أن يصنع طريقه؟


كتب/ د. عمر عبود العنزي 


ليس أصعب على الدولة من أن تكون في قلب جغرافيا تتقاطع فيها مصالح الآخرين، فحين ترتبط الدولة بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع قوى إقليمية ودولية متعددة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: مع من نقف؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا نريد نحن؟


ولعل العراق من أكثر دول المنطقة اختبارًا لهذا السؤال، فموقعه الجغرافي، وثقله التاريخي، وموارده، وعلاقاته المتعددة، جعلته حاضرًا في حسابات قوى كثيرة ، وهذه المكانة يمكن أن تكون مصدر قوة، لكنها قد تتحول إلى مصدر ضغط إذا لم تمتلك الدولة القدرة على إدارة علاقاتها وفق رؤية واضحة ومصلحة وطنية ثابتة.


السيادة ليست عزلة


السيادة لا تعني أن تعيش الدولة بعيدًا عن العالم. فالعالم المعاصر قائم على المصالح المتبادلة والشراكات، ولا تستطيع دولة أن تعزل نفسها عن محيطها ، لكن الفارق كبير بين أن تختار الدولة علاقاتها، وبين أن تتحول علاقاتها إلى قيود على خياراتها، يمكن للعراق أن يقيم علاقات مع واشنطن وطهران وأنقرة والرياض وأوروبا والصين، وأن يتعاون مع الجميع فيما يخدم مصالحه، دون أن يعني ذلك انحيازه الكامل إلى أي طرف، المشكلة ليست في تعدد العلاقات، بل تبدأ عندما تضيق مساحة الاختيار.


حين تصبح السيادة اختبارًا عمليًا


ولم يعد هذا الحديث نظريًا، فالتطورات الأخيرة وضعت العراق أمام اختبار عملي جديد، بعدما أعلنت المملكة العربية السعودية أن منشآت حيوية لديها تعرضت لهجوم بطائرات مسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية، فيما تعاملت بغداد مع التطور عبر القنوات الرسمية والتحقيق في ملابساته، وبعيدًا عن تفاصيل المسؤولية والجهات التي تقف وراء الهجوم، فإن الواقعة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع الدولة أن تضمن ألا تُستخدم أراضيها للإضرار بأمنها أو بأمن جيرانها؟


هنا تصبح السيادة أكثر من شعار؛ تصبح قدرة فعلية على حماية الأراضي والأجواء العراقية، وضبط ما يجري فيها، ومنع تحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات، وفي الوقت نفسه، فإن احترام أمن الجوار لا يعني التخلي عن القرار العراقي، فسيادة العراق لا تتعارض مع حسن الجوار، وحسن الجوار لا ينبغي أن يكون على حساب سيادة العراق.


القرار الوطني يحتاج إلى دولة قوية


لا تستطيع الدبلوماسية وحدها أن تحمي القرار الوطني، فالدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية، وقانون نافذ، ورؤية واضحة في السياسة الخارجية والأمنية، ومن أبرز ما يهدد السيادة، إلى جانب التدخل الخارجي، تعدد مراكز القرار داخل الدولة نفسها، وضعف قدرة المؤسسات على فرض هيبتها.


إن بناء الدولة يبدأ من الداخل: باحتكار السلاح بيد الدولة، وفرض سيادة القانون، وإصلاح المؤسسات الأمنية. فالقرار الوطني يحتاج إلى دولة قوية في الداخل قبل أن يطالب العالم باحترامه في الخارج.


الاقتصاد جزء من السيادة


ولا يمكن فصل السيادة السياسية عن القوة الاقتصادية، فالعراق ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، الأمر الذي يجعله أكثر تأثرًا بتقلبات الأسواق العالمية والأزمات الخارجية، ولهذا فإن تنويع الاقتصاد ليس قضية مالية فحسب، بل قضية سيادية أيضًا.


عندما تتطور الزراعة والصناعة والسياحة والنقل والتكنولوجيا، وتتحول الثروة النفطية إلى وسيلة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا، فإن العراق لا يزيد موارده فقط، بل يوسع أيضًا مساحة قراره ، فالدولة التي تمتلك خيارات اقتصادية أكثر، تمتلك خيارات سياسية أكثر.


العراق لا يحتاج إلى اختيار محور


ربما يكون السؤال الأكثر تداولًا: هل ينبغي للعراق أن يكون أقرب إلى هذا الطرف أم ذاك؟ لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع العراق أن يجعل علاقاته المتعددة تخدم مصلحته الوطنية بدل أن تجعله جزءًا من صراعات الآخرين؟


السياسة الخارجية الناضجة لا تقوم على الصداقة المطلقة ولا العداء المطلق، وإنما على المصلحة الوطنية واحترام السيادة وحساب النتائج، قد تتعاون الدولة مع طرف في ملف، وتختلف معه في ملف آخر، وتتقارب مع دولة اقتصاديًا بينما تختلف معها سياسيًا، وهذا ليس تناقضًا؛ ذلك هو جوهر السياسة.


العراق ليس مضطرًا إلى أن يكون تابعًا لكي يكون حليفًا، ولا معزولًا لكي يكون مستقلًا، ولا صداميًا لكي يكون قويًا ، إنما يحتاج إلى أن يعرف ماذا يريد، وما الذي يستطيع تقديمه، وما الذي لا يستطيع التنازل عنه.


العراق... أي طريق؟


في عالم متغير، لن يكون السؤال عن العراق فقط: من يقف معه؟ بل السؤال الأهم: ماذا يستطيع العراق أن يفعل بنفسه؟


هل يستطيع أن يبني اقتصادًا يمنحه مساحة أوسع من الاستقلال؟ هل يستطيع أن يعزز مؤسساته ويحكم سيطرته على أراضيه؟ هل يستطيع أن يجعل دبلوماسيته أداة لصناعة التوازن، لا مجرد وسيلة للتعامل مع الأزمات؟


لا توجد إجابة سهلة، ولا يمكن بناء الدولة في يوم واحد، لكن البداية قد تكون في تغيير طريقة التفكير. فالعراق لا يحتاج إلى أن يختار بين الشرق والغرب، ولا بين هذا المحور وذاك.

"العراق يحتاج أولًا إلى أن يختار العراق" ، أن يضع مصلحته الوطنية في مقدمة حساباته، وأن يحافظ على علاقاته مع الجميع، ويحمي سيادته، ويحترم أمن جيرانه، ويرفض أن تتحول أرضه إلى ساحة لصراعات الآخرين، فالسيادة الحقيقية ليست أن يعيش العراق بعيدًا عن العالم، بل أن يدخل العالم وهو يعرف من هو، وماذا يريد، وإلى أين يمضي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية