... الحاج عادل توفيق... بدأ مكافحًا، وعاش كريمًا، وترك الخير خلفه الحلقة الحادية عشرة من سلسلة «أعلام من قريتنا» من ذاكرة قلبا... إلى ذاكرة الأجيال
كتب /م..أحمد مختار
في كل قرية رجال يرحلون، لكن سيرتهم تظل حاضرة في ذاكرة الناس. ومن هؤلاء الحاج عادل توفيق، رحمه الله؛ رجل بدأ حياته مكافحًا، وعرف العمل الشاق منذ صغره، ثم كافح حتى فتح الله عليه، وعندما أعطاه الله من فضله لم ينسَ المحتاجين وأهل بلدته.
وُلد الحاج عادل في يوليو 1949م، وبدأ حياته من البدايات الصعبة، من خلال أرض القرعة الزراعية في نطاق الإصلاح الزراعي، التي كانت توزعها الدولة وفق قانون الإصلاح الزراعي.
ثم عمل بالجمال في نقل القصب إلى عصارة القصب، يسير خلفها وهي تحمل القصب. كان عملًا شاقًا، لكنه علّمه الصبر وتحمل المسؤولية، وأكد له أن الرزق يأتي بالسعي والعمل.
ثم بدأ طريقه في التجارة من الصفر، قبل أن تأتي مرحلة مهمة في حياته، حين التحق بالجيش عام 1973م وشارك في الحرب. واستشهد أحد أصحابه، فاحتفظ بجواز سفره كتذكار بقي معه شاهدًا على تلك الأيام.
بعد ذلك سافر إلى السعودية، وبدأ هناك مرحلة جديدة من الكفاح والعمل. كان شديد التحمل، ومن صور ذلك أنه كان يستطيع المشاركة في صب نحو 12 أوضة خرسانة في اليوم، حسب ما ذكره لابنه محمود. ومع الوقت توسعت خبرته وعلاقاته، حتى تعامل مع أمراء وشخصيات كثيرة هناك.
ومن أبرز محطاته العملية تجارة نشارة الخشب؛ فكان يجمعها من محلات النجارة ويبيعها لمزارع الدواجن. وكانت فكرة بسيطة فتح الله بها عليه، ثم تعلمها منه أكثر من أسرة في بلدنا، فأصبحت باب رزق وخير لهم أيضًا.
لكن أجمل ما في سيرة الحاج عادل لم يكن نجاحه في التجارة، وإنما ما فعله بعد أن فتح الله عليه.
كان كريمًا، هينًا لينًا، قريبًا من الناس، كثير الإنفاق في الخير، وخاصة في رمضان، من خلال شنط رمضان وغيرها من أعمال البر.
واللافت أن كثيرًا من أعماله لم نعرفها إلا بعد وفاته، عندما بدأ الناس يحكون عنها. كانت هناك أسر يتحمل عنها فواتير الكهرباء كل شهر، وأشخاص ساعدهم في تكاليف الزواج وتجهيز البيوت.
ومن المواقف التي رواها الأستاذ محمود عادل توفيق، ابنه، أنه في إحدى المرات طلب أحد الأشخاص من الحاج عادل شراء مكيف لجامع القنطرة في التابوت، فقال له، بما معناه، إن الجامع يُستخدم وقتًا محدودًا، ثم قال:
«شوف لي بنات عايزة تتجهز للجواز، فقيرة، وأنا جاهز بإذن الله تعالى.»
كان يرى أن الخير يجب أن يصل إلى من هو أشد احتياجًا، وكان قلبه مع المحتاجين والشباب المقبلين على الحياة. وكان يحب الناجح والمتفوق والنافع، ويفرح بالشباب الذين يعملون ويجتهدون، ويساعد من يرى فيه جدية وطموحًا.
ومن أعظم آثاره في قلبا مسجد الإسراء، الذي بناه لله، وأطلق عليه اسم إحدى بناته التي توفيت صغيرة في حياته. وما زال المسجد قائمًا ليبقى أثرًا طيبًا من آثاره.
كما كان له دور مهم، مع أهل الفضل في القرية، في السعي من أجل إنشاء مكتب البريد والمعاشات في قلبا، والموجود في بيته إلى الآن؛ إذ تبرع بالمكان لمكتب البريد. وكان ذلك سببًا في راحة كبار السن وأصحاب المعاشات من مشقة السفر إلى المدينة والانتظار في الشمس عند الديوان للحصول على معاشاتهم.
وكان أيضًا يقف مع أصحاب الحقوق؛ ومن ذلك تدخله مع الأستاذ أحمد محمد طه في قضية أموال كان قد أقرضها لبعض الناس، وساعده في استرداد حقوقه بعدما حاول بعضهم أكلها عليه.
________________________________________
جارنا... وذكريات أواخر أيامه
كان الحاج عادل توفيق جارنا، ولم يكن بين بيتنا وبيته إلا بضعة بيوت.
وفي أواخر أيامه، جلست إليه كثيرًا، وسمعت منه عن حياته، وعن الكفاح والعمل والغربة والسعودية، وعن التجارب التي مر بها.
واليوم أدرك قيمة تلك الجلسات أكثر؛ فحديث الكبار ليس مجرد حكايات، وإنما جزء من تاريخ يجب أن تحفظه الذاكرة.
________________________________________
أحمد عادل توفيق... والامتداد الجميل
توفي الحاج عادل توفيق في 1 أغسطس 2021م.
ثم توفي ابنه الأستاذ أحمد عادل توفيق في 5 يناير 2026م.
وكان من أجمل ما ارتبط بسيرة أحمد أنه ختم حياته في المسجد الذي بناه والده؛ فكان يؤذن للصلاة، ويصلي إمامًا في بعض الأوقات، وكان المسجد يحتاج إلى وجوده، خاصة في صلاة الجمعة.
وبعد وفاة أحمد بيومين فقط، في 7 يناير 2026م، رحل أخي عاشور مختار، رحمه الله، فكانت أيامًا متقاربة ومؤثرة، زادت من حضور هذه الذكريات في القلب.
ولا أنسى أبناء الحاج عادل، الأستاذ محمد والأستاذ محمود، وهما كما عرفناهما: محترمان، متواضعان، مؤدبان في التعامل مع الناس. ترك والدهما أبناءه مستورين بين الناس، وترك لهم قبل المال السيرة الطيبة.
_____________________________
رؤيا والدتي
ومن الذكريات التي بقيت في وجدان والدتي أنها رأت في المنام الحاج عادل، ورأت الماء يخرج من تحت عتبة باب بيته.
ولا ندعي تفسير المنام أو الجزم بمعناه، فالله وحده يعلم الغيب، لكنها تظل ذكرى جميلة مرتبطة برجل ارتبطت حياته بالعطاء والخير.
________________________________________
شكر واجب
أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ محمود عادل توفيق، على ما تفضل به من معلومات وتفاصيل مهمة أسهمت كثيرًا في توثيق سيرة والده، وإضاءة جوانب من حياته ومواقفه التي لم نكن نعرف بعضها إلا من خلال الأسرة.
جزاه الله خيرًا، وبارك له ولأسرته، ورحم الله والده رحمة واسعة.
________________________________________
كلمة أخيرة
عندما نتذكر الحاج عادل توفيق، نتذكر رجلًا بدأ مكافحًا، وعمل مع الجمال، وكافح من الصفر، وخدم في حرب أكتوبر، وسافر إلى السعودية، وبنى نفسه بالعمل الحلال.
ثم عندما أعطاه الله، لم ينسَ من عرفهم في أيام الكفاح.
ساعد المحتاجين، وتحمل عن أسر فواتير الكهرباء، وساعد في الزواج، وشجع الناجحين، وبنى مسجدًا، وسعى لخدمة كبار السن، وترك وراءه أبناءً طيبين وسيرة حسنة.
وهذه هي قيمة الإنسان الحقيقية: أن تصعد، ولا تنسى من هم في الطريق.
رحم الله الحاج عادل توفيق رحمة واسعة، وجعل مسجد الإسراء وما قدمه من خير في ميزان حسناته، وبارك في أبنائه، وجعلهم خير خلف له.
فالإنسان يرحل... لكن الخير الذي يزرعه لا يرحل.
من ذاكرة قلبا... إلى ذاكرة الأجيال
الحلقة الحادية عشرة من سلسلة «أعلام من قريتنا»

تعليقات
إرسال تعليق