أين كنت؟
كتبت / الإعلامية رانيا جمال علي
أين كنت حين كانت روحي تخوض معاركها في صمت؟
أين كنت حين كنت أبحث بين الوجوه عن وجهٍ واحدٍ لا يتغير، وبين الأصوات عن صوتٍ يقول لي: «لا تقلقي، أنا إلى جوارك»؟
أين كنت حين كنت أبتسم أمام الجميع، بينما كان شيءٌ في داخلي ينطفئ كل يوم؟
لم أسألك يومًا عن غيابك لأنني كنت أظن أن من يحب، لا يحتاج إلى دعوة كي يحضر، وأن من يشعر بنا حقًّا، يدرك وجعنا قبل أن ننطق به.
لكنني اكتشفت متأخرةً أن بعض الناس لا يظهرون إلا عندما تنتهي المعركة، حين تزول آثار التعب، وتستعيد ملامحنا هدوءها، ويصبح حضورهم سهلًا لا يحتاج إلى تضحية.
أما في أصعب اللحظات، فقد كنت وحدي.
كنت أواجه الخوف وحدي، وأجمع شتات نفسي وحدي، وأقنع قلبي بأن الغد سيكون أفضل، رغم أنني لم أكن أملك دليلًا واحدًا على ذلك.
ثم عدت تسألني: «أين أنت؟»
وكأن السؤال لم يكن يجب أن يكون لي، بل لك.
أين كنت أنت؟
كنتَ غائبًا حين احتجت إليك، وحاضرًا حين لم أعد بحاجة إليك.
وهنا أدركت أن الغياب ليس دائمًا مسافة، فقد يكون شخصًا يجلس بجوارك، لكنه لا يشعر بك. وقد يكون أقسى من الرحيل؛ لأن الرحيل واضح، أما التجاهل فيتركك معلّقًا بين الأمل والخذلان.
تعلمت أن العلاقات لا تُقاس بعدد السنوات، ولا بكثرة الكلمات، ولا بالوعود التي قيلت في لحظات الفرح، وإنما تُقاس بالمواقف التي تأتي في أشد أوقاتنا ضعفًا.
هناك من يعرفك عندما تكون قويًّا، وهناك من يعرف قيمتك عندما يراك مكسورًا، وهناك من ينسحب بمجرد أن تصبح الحياة ثقيلة.
وهؤلاء جميعًا يتركون لنا درسًا واحدًا:
لا تمنح قلبك لمن يحب وجودك في أيامك الجميلة، لكنه يختفي حين تحتاج إليه في أيامك الصعبة.
ولست نادمًا على من غاب، فقد علّمني غيابه كيف أعتمد على نفسي.
ولست غاضبًا ممن خذلني، فقد علّمني خذلانه ألا أضع كل ثقتي في إنسان.
ولست حزينًا على بابٍ أُغلق، فقد اكتشفت أن بعض الأبواب حين تُغلق في وجوهنا، تفتح لنا الحياة من جهة أخرى طريقًا لم نكن نراه.
واليوم، إن عاد أحدهم ليسألني:
«أين كنت؟»
سأبتسم بهدوء وأقول:
كنت هنا… في المكان الذي تركتني فيه.
لكنني لم أعد الشخص الذي تركته.
لقد عبرت وحدي، وشفيت وحدي، وكبرت كثيرًا في غيابك.
ولذلك، لم يعد السؤال: «أين كنت؟»
بل أصبح السؤال الأهم:
أين كنت أنا حين كنت أظن أن وجودك شرطٌ لنجاتي؟
كنت أبحث عنك…
بينما كان عليّ منذ البداية أن أبحث عن نفسي.

تعليقات
إرسال تعليق