بوصلة الوعي في عصر الصراع قراءة في رؤية اللواء سامي محمود دنيا لرسالة الإعلام
كتبت /منى منصور السيد
لم يعد الإعلام، في لجة التحولات الكونية العاصفة وحروب الجيل الجديد، مجرد ترفٍ معرفي، أو صدىً خافتاً لحدثٍ مضى، بل استحال عقيدةً استراتيجية وركيزةً وجودية في بنيان الدولة الوطنية المعاصرة. وفي هذا السياق الممتلئ بالتحديات، تجسدت معالم الرؤية الاستراتيجية الحاكمة في كلمة معالي اللواء سامي محمود دنيا خلال مؤتمر الإعلام، والتي وضع فيها النقاط على حروف الواقع، محللاً ومفككاً خطورة المرحلة ومتطلبات العبور منها؛ حيث لم يعُد الإعلام مجرد ناقلٍ محايد للمجريات، بل غدا المهندس الأول لوعي الجماعة، والحارس الأمين على ثغور الأمن القومي بمفهومه الشامل، والقوة الدافعة لعجلات التنمية والنهوض الحضاري. إن القراءة المتعمقة لملامح تلك الكلمة الكاشفة تؤكد انقضاء الدهر الذي كان يُنظر فيه إلى الوسيلة الإعلامية كمنصة "ناقلة" للخبر فحسب، لتعلن ولادة عصرٍ أشد ضراوة وتعقيداً، هو "عصر الصراع على المعلومة" وتفسيرها، حيث لا تُخاض الحروب بالبارود وحده، بل بصناعة السرديات وتوجيه الرأي العام، وحيث تغدو الشائعة سهمًا مسمومًا ينطلق بسرعة الضوء عبر الوسائط الحديثة، مما يحتم الانتقال الشجاع نحو إعلام الوعي الذي يتصدى لتفسير الحقائق وتحصين العقل الجمعي ضد التضليل الممنهج.
إن هذا التحصين الفكري يتصل اتصالاً عضويًا بجوهر الأمن القومي في تجليه الحديث، والذي يتجاوز المفهوم الكلاسيكي المحصور في حماية الحدود الجغرافية بالسلاح والعتاد؛ إذ إن الحدود باتت اليوم مُشرعة أمام الغزو السيبراني والمعلوماتي، وصار الأمن الفكري والاجتماعي جزءاً أصيلاً من مقومات الاستقرار الوطني. ومن هنا، تجلت في كلمة اللواء سامي محمود دنيا محورية الإعلام المهني والمسؤول باعتباره خط الدفاع الأول لمواجهة الحروب الناعمة والخبيثة التي تستهدف تفتيت الجبهات الداخلية ونزع الثقة بين الشعب ومؤسساته الوطنية، مؤكدةً أن الوعي المرتكز على الحقائق هو الحصن المنيع الذي تتحطم عليه كافة مخططات الزيف مهما تزيّنت بمظاهر الخداع.
وعلى صلة وثيقة بهذا الفكر الرصين، يتعاظم دور الإعلام كشريكٍ أصيل في معركة التنمية والتعمير؛ فالوسيلة الإعلامية، وإن كانت لا تضع حجراً أو تشق طريقاً بساعدها، إلا أنها تبني بقوة التأثير الفكري القناعة الراسخة بأهمية هذا البناء، وتغرس ثقافة العمل والإنجاز والانتماء. إن الإعلام، وفق هذه الرؤية الشاملة، هو اللسان المبين الذي يوضح للمواطن الجدوى العميقة من المشروعات القومية الكبرى، محولاً إياها من مجرد أرقام صماء في الموازنات إلى منجزات حضارية ملموسة ينخرط المجتمع في حمايتها والاعتزاز بها، ليتحول الإعلام من موقع المراقب للحدث إلى صانع ومحفز له.
ولكي يستقيم هذا البنيان ويؤدي رسالته السامية، كان التأكيد جلياً على ضرورة التمييز الدقيق والحازم بين النقد البنّاء المرتكز على الإصلاح ورصد مواطن الخلل بقصد التقويم، وبين محاولات الهدم ونشر الفوضى المستترة خلف عباءة الحرية. إن التعددية الفكرية واختلاف الآراء، متى انطلقا من أرضية وطنية صلبة واستهدفا مصلحة الوطن العليا، يظلان عنصر ثراء وتجدد للمجتمع، أما التشكيك المستمر ونسف الإنجازات وبث روح الإحباط، فليس سوى معول هدم يخدم أجندات معادية يجب مواجهتها بحزم المنطق وسلطان الحقائق الكاشفة.
وفي هذا المعترك المتسارع، لم تغفل الرؤية التحليلية للكلمة اقتحام التكنولوجيا للواقع عبر ثورة الذكاء الاصطناعي، متجاوزة نظرات التوجس التلقائية نحو اعتبارها فرصة استراتيجية يجب تطويعها باقتدار، مع الإبقاء على الحاكمية لإنسانية الإعلام وقيمه الأخلاقية؛ فالآلة، رغم قدرتها الفائقة على معالجة البيانات وصياغة المحتوى، تفتقر إلى الروح والضمير والأخلاق التي يصنع بها الإنسان القيم ويتحمل عنها المسؤولية الوطنية والضميرية، مما يجعل التكنولوجيا خادماً للرسالة الإعلامية لا سيداً عليها.
وتكتمل هذه المنظومة الفكرية بجعل الغاية الأسمى للإعلام صناعة الأمل لدى الأجيال القادمة، والابتعاد عن تحويل الأزمات إلى مناخات من اليأس الذي يقوض طاقات الشباب؛ فبناء جيل يمتلك مهارات التفكير النقدي والانتماء هو الاستثمار الأعظم لمستقبل الأمة. ويمتد هذا الواجب الفكري ليتجاوز النطاق المحلي نحو أفق عربي أرحب، يحض على تضامن إعلامي يمد جسور التواصل ويبرز المشتركات الحضارية والاقتصادية العميقة، بدلاً من استنزاف الطاقات في معارك جانبية لا طائل منها.
ختاماً، تجسد هذه القراءة التحليلية لكلمة معالي اللواء سامي محمود دنيا ميثاقاً فكرياً متكاملاً؛ ميثاقاً يضع الكلمة في موضعها التاريخي كأمانة ومسؤولية وبناء، ويجعل من الإعلام بوصلةً تلتقي عندها العقول لحماية الوطن وصناعة مستقبله المشرق.

تعليقات
إرسال تعليق